تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وتجعله أصولا تبني عليها معارفها ومعاملاتها ، وتجعلها حكما في الأمور إثباتا ونفيا ، وهذا فرط ضلالة ، وإنه لضغث على إبالة بتشديد الباء وتخفيفها ، وقد حكي التاريخ القديم شاهدا مما قلناه وهو ما جاء في سفر دانيال - من كتب الأنبياء الملحقة بالتوراة أن - ( بخت‌نصّر ) ملك بابل رأى رؤيا أزعجته وتطلب تعبيرها ، فجمع العرافين والمنجمين والسحرة وأمرهم أن يخبروه بصورة ما رآه في حلمه من دون أن يحكيه لهم ، فلما أجابوه بأن هذا ليس في طاقة أحد من البشر ولا يطلع على ما في ضمير الملك إلّا الآلهة ، غضب ، واغتاظ ، وأمر بقتلهم ، وأنه أحضر دانيال النبي وكان من جملة أسرى بني إسرائيل في ( بابل ) وهدده بالقتل إن لم ينبئه بصورة رؤياه ، ثم بتعبيرها ، وأن دانيال استنظره مدة ، وأنه التجأ إلى اللّه بالدعاء هو وأصحابه ( عزريا ) و ( ميشاييل ) و ( حننيا ) فدعوا اللّه لينقذ دانيال من القتل ، وأن اللّه أوحى إلى دانيال بصورة ما رآه الملك فأخبر دانيال الملك بذلك ، ثم عبر له ، فنال حظوة لديه انظر الإصحاح الثاني من سفر دانيال . [ 188 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 188 ]

قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 ) هذا ارتقاء في التبرّؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم ، وزيادة من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة ، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها . والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استينافها الاهتمام بمضمونها ، كي تتوجه الأسماع إليها ، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله :
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي . . .
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ
[ الأعراف : 187 ] للاهتمام باستقلال المقول ، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله ، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهم ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة ، إعلانا للمشركين بالتزام أنه لا يعلم الغيب ، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيئسوا من تحديه بذلك ، وإعلاما للمسلمين بالتمييز بين ما تقتضيه النبوة وما لا تقتضيه ، ولذلك نفى عن نفسه معرفة أحواله المغيّبة ، فضلا على معرفة المغيبات من أحوال غيره إلّا ما شاء اللّه . في « تفسير البغوي » ، عن ابن عباس : أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري عند الغلاء ، وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل