تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
ومعنى اللام يناسب أحد معنيي الإجلاء ، وهو الإظهار ، لأنه الذي إذا حصل تم كشف أمرها ، وتحقق الناس أن القادر على إجلائها كان عالما بوقت حلولها . وفصلت جملة :
لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
لأنها تتنزل من التي قبلها منزلة التأكيد والتقرير . وقدم المجرور وهو
لِوَقْتِها
على فاعل
يُجَلِّيها
الواقع استثناء مفرغا للاهتمام به تنبيها على أن تجلية أمرها تكون عند وقت حلولها لأنها تأتي بغتة . وجملة :
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
معترضة لقصد الإفادة بهولها ، والإيماء إلى حكمة إخفائها . وفعل
ثَقُلَتْ
يجوز أن يكون لمجرد الإخبار بشدة ، أمرها كقوله :
وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
. ويجوز أن يكون تعجيبا بصيغة فعل - بضم العين - فتقدر الضمة ضمة تحويل الفعل للتعجيب ، وإن كانت هي ضمة أصلية في الفعل ، فيكون من قبيل قوله :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
[ الكهف : 5 ] . والثقل مستعار للمشقة كما يستعار العظم والكبر ، لأن شدة وقع الشيء في النفوس ومشقته عليها تخيّل لمن خلت به أنه حامل شيئا ثقيلا ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
[ المزمل : 5 ] أي شديدا تلقيه وهو القرآن ، ووصف الساعة بالثقل باعتبار ما هو مظروف في وقتها من الحوادث ، فوصفها بذلك مجاز عقلي ، والقرينة واضحة ، وهي كون الثقل بمعنى الشدة لا يكون وصفا للزمان ، ولكنه وصف للأحداث ، فإذا أسند إلى الزمان ، فإسناده إليه إنما هو باعتباره ظرفا للأحداث ، كقوله :
وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
[ هود : 77 ] . وثقل الساعة أي شدتها هو عظم ما يحدث فيها من الحوادث المهولة في السماوات والأرض ، من تصادم الكواكب ، وانخرام سيرها ، ومن زلازل الأرض وفيضان البراكين ، والبحار ، وجفاف المياه ، ونحو ذلك مما ينشأ عن اختلال النظام الذي مكان عليه سير العالم ، وذلك كله يحدث شدة عظيمة على كل ذي إدراك من الموجودات . ومن بديع الإيجاز تعدية فعل
ثَقُلَتْ
بحرف الظرفية الدال على مكان حلول الفعل ، وحذف ما حقه أن يتعدى إليه وهو حرف ( إلى ) الذي يدل على ما يقع عليه الفعل ،