تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
دلائل على غضب اللّه عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا الكفر والعناد . وانتصب
آياتٍ
على الحال من الطوفان وما عطف عليه ، و
مُفَصَّلاتٍ
اسم مفعول من فصّل المضاعف الدال على قوة الفصل . والفصل حقيقته التفرقة بين الشيئين بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ، ويستعار الفصل لإزالة اللبس والاختلاط في المعاني ف
مُفَصَّلاتٍ
وصف ل
آياتٍ
، فيكون مرادا منه معنى الفصل المجازي وهو إزالة اللبس ، لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل ، أي : هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نظر نظر اعتبار . وقيل : المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان ، أي لم تحدث كلها في وقت واحد ، بل حدث بعضها بعد بعض ، وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على تراخي المدة بين الواحدة والأخرى ، ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمنا كما دل عليه قوله تعالى :
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها
[ الزخرف : 48 ] ، قيل : كان بين الآية منها والأخرى مدة شهر أو مدة ثمانية أيام ، وكانت تدوم الواحدة منها مدة ثمانية أيام وأكثر ، وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل
مُفَصَّلاتٍ
حالا ثانية من الطوفان والجراد ، وأن لا يجعل صفة
آياتٍ
. والفاء في قوله :
فَاسْتَكْبَرُوا
للتفريع والترتب ، أي : فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده استكبارهم ، كما تفرع على أخذهم بالسنين غرورهم بأن ذلك من شؤم موسى ومن معه ، فعلم أن من طبع تفكيرهم فساد الوضع ، وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها ، وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة والخذلان ، وبعدهم عن السعادة والتوفيق ، فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة . فالاستكبار : شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء ، أي : عد أنفسهم كبراء ، أي تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات المفصلات . وجملة :
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
معطوفة على جملة
فَاسْتَكْبَرُوا
، فالمعنى : فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا ، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم ، وتمكنه منهم ، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار ، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم ، ف ( كان ) دالة على استمرار الخبر وهو وصف الإجرام .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 255 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور