تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
نحن لك بمؤمنين ، أي : فلا تتعب نفسك في السحر . و
مَهْما
اسم مضمن معنى الشرط ، لأن أصله ( ما ) الموصولة أو النكرة الدالة على العموم ، فركّبت معها ( ما ) لتصييرها شرطية كما ركبت ( ما ) مع ( أي ) و ( متى ) و ( أين ) فصارت أسماء شرط ، وجعلت الألف الأولى هاء استثقالا لتكرير المتجانسين ، ولقرب الهاء من الألف فصارت مهما ، ومعناها : شيء ما ، وهي مبهمة فيؤتى بعدها بمن التبيينية ، أي : إن تأتنا بشيء من الآيات فما نحن لك بمؤمنين . و
مَهْما
في محل رفع بالابتداء ، والتقدير : أيّما شيء تأتينا به ، وخبره الشرط وجوابه ، ويجوز كونها في محل نصب لفعل محذوف يدل عليه
تَأْتِنا بِهِ
المذكور . والتقدير : أي شيء تحضرنا تأتينا به . وذكّر ضمير
بِهِ
رعيا للفظ
مَهْما
الذي هو في معنى أي شيء ، وأنّث ضمير
بِها
رعيا لوقوعه بعد بيان
مَهْما
باسم مؤنث هو
آيَةٍ
. و
مِنْ آيَةٍ
بيان لإبهام
مَهْما
. والآية : العلامة الدالة ، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
في سورة البقرة [ 39 ] ، وفي قوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
في سورة الأنعام [ 37 ] . وسموا ما جاء به موسى آية باعتبار الغرض الذي تحداهم به موسى حين الإتيان بها ، لأن موسى يأتيهم بها استدلالا على صدق رسالته ، وهم لا يعدونها آية ولكنهم جاروا موسى في التسمية بقرينة قولهم
لِتَسْحَرَنا بِها
، وفي ذلك استهزاء كما حكى اللّه عن مشركي أهل مكة وقالوا :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
[ الحجر : 6 ] بقرينة قولهم : إنك لمجنون . وجملة
فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم بموسى لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته الجملة الاسمية التي حكته من الدلالة على ثبوت هذا الانتفاء ودوامه . وبما تفيده الباء من توكيد النفي ، وما يفيده تقديم متعلق مؤمنين من اهتمامهم بموسى في تعليق الإيمان به المنفي باسمه . والفاء في قوله :
فَأَرْسَلْنا
لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم وعنادهم .