تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
المستقبل ، كما في الآية ، فالحسنات أي : النعم كثيرة الحصول تنتابهم متوالية من صحة وخصب ورخاء ورفاهية . وجيء في جانب السيئة بحرف ( إن ) لأن الغالب أن تدل ( إن ) على التردد في وقوع الشرط ، أو على الشك ، ولكون الشيء النادر الحصول غير مجزوم بوقوعه ، ومشكوكا فيه ، جيء في شرط إصابة السيئة بحرف ( إن ) لندرة وقوع السيئات أي : المكروهات عليهم ، بالنسبة إلى الحسنات ، أي : النعم ، وفي ذلك تعريض بأن نعم اللّه كانت متكاثرة لديهم وأنهم كانوا معرضين عن الشكر ، وتعريض بأن إصابتهم بالسيئات نادرة وهم يعدون السيئات من جراء موسى ومن آمن معه ، فهم في كلتا الحالتين بين كافرين بالنعمة وظالمين لموسى ومن معه ، ولهذين الاعتبارين عرفت الحسنة تعريف الجنس المعروف في علم المعاني بالعهد الذهني ، أي : جاءتهم الحسنات ، لأن هذا الجنس محبوب مألوف كثير الحصول لديهم ، ونكرت
سَيِّئَةٌ
لندرة وقوعها عليهم ، ولأنها شيء غير مألوف حلوله بهم ، أي : وإن تصبهم آية سيئة ، كذا في « الكشاف » و « المفتاح » . واعلم أن التفرقة بين تعريف الجنس والتنكير من لطائف الاستعمال البلاغي ، كما أشرنا إليه في قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
في سورة الفاتحة [ 2 ] ، وأما من جهة مفاد اللفظ ، فالمعرف بلام الجنس والمنكرة سواء ، فلا تظن أن اللام للعهد لحسنة معهودة ووقوع المعرف بلام الجنس والنكرة في سياق الشرط ، في هذه الآية يعم كل حسنة وكل سيئة . والحسنة والسيئة هنا مراد بهما الحالة الحسنة والحالة السيئة . واللام في قوله
لَنا
هذه لام الاستحقاق أي : هذه الحسنة حق لنا ، لأنهم بغرورهم يحسبون أنهم أحرياء بالنعم ، أي : فلا يرون تلك الحسنة فضلا من اللّه ونعمة . و
يَطَّيَّرُوا
أصله يتطيروا ، وهو تفعّل ، مشتق من اسم الطير ، كأنهم صاغوه على وزن التفعّل لما فيه من تكلف معرفة حظ المرء بدلالة حركات الطير ، أو هو مطاوعة سمي بها ما يحصل من الانفعال من إثر طيران الطير . وكان العرب إذا خرجوا في سفر لحاجة ، نظروا إلى ما يلاقيهم أول سيرهم من طائر ، فكانوا يزعمون أن في مروره علامات يمن وعلامات شؤم ، فالذي في طيرانه علامة بمن في اصطلاحهم يسمونه السانح ، وهو الذي ينهض فيطير من جهة اليمين للسائر والذي علامته الشؤم هو البارح وهو الذي يمر على اليسار ، وإذا وجد السائر طيرا جاثما آثاره لينظر أي جهة يطير ، وتسمى تلك الإثارة زجرا ، فمن الطير ميمون ومنه مشئوم والعرب يدعون للمسافر بقولهم « على الطائر الميمون » ، ثم غلب استعمال لفظ التطير في معنى التشاؤم خاصة ، يقال الطيرة أيضا ، كما في الحديث
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 250 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور