تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
لها ، فإذا صدرت الأعمال صالحة كما يرضي اللّه ، وما أوصى به ، حصل المقصود ، ولا يضرها ما تكنه نفس العامل . و ( كيف ) يجوز كونها استفهاما فهي معلّقة لفعل ( ينظر ) عن المفعول ، فالتقدير فينظر جواب السؤال ب
كَيْفَ تَعْمَلُونَ
، ويجوز كونها مجردة عن معنى الاستفهام دالة على مجرد الكيفية ، فهي مفعول به ل
فَيَنْظُرَ
كما تقدم في قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
في سورة آل عمران [ 6 ] ، وقوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ
في سورة المائدة [ 75 ] وقد تقدم . [ 130 ، 131 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 130 إلى 131 ]

وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 ) هذا انتقال إلى ذكر المصائب التي أصاب اللّه بها فرعون وقومه ، وجعلها آيات لموسى ، ليلجئ فرعون إلى الإذن لبني إسرائيل بالخروج ، وقد وقعت تلك الآيات بعد المعجزة الكبرى التي أظهرها اللّه لموسى في مجمع السحرة ، ويظهر أن فرعون أغضى عن تحقيق وعيده إبقاء على بني إسرائيل ، لأنهم كانوا يقومون بالأشغال العظيمة لفرعون . ويؤخذ من التوراة أن موسى بقي في قومه مدة يعيد محاولة فرعون أن يطلق بني إسرائيل ، وفرعون يعد ويخلف ، ولم تضبط التوراة مدة مقام موسى كذلك ، وظاهرها أن المدة لم تطل ، وليس قوله تعالى :
بِالسِّنِينَ
دليلا على أنها طالت أعواما لأن السنين هنا جمع سنة بمعنى الجدب لا بمعنى الزمن المقدر من الدهر . فالسنة في كلام العرب إذا عرفت باللام يراد بها سنة الجدب ، والقحط ، وهي حينئذ علم جنس بالغلبة ، ومن ثم اشتقوا منها : أسنت القوم ، إذا أصابهم الجدب والقحط ، فالسنين في الآية مراد بها القحوط وجمعها باعتبار كثرة مواقعها أي : أصابهم القحط في جميع الأرضين والبلدان ، فالمعنى : ولقد أخذناهم بالقحوط العامة في كل أرض . والأخذ : هنا مجاز في القهر والغلبة ، كقوله :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] . ويصح أن يكون هنا مجازا في الإصابة بالشدائد ، لأن حقيقة الأخذ : تناول الشيء باليد ، وتعددت إطلاقاته ، فأطلق كناية عن الملك . وأطلق استعارة للقهر والغلبة ، وللإهلاك . وقد تقدمت معانيه متفرقة في السور