تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
لاستطاعة قهرهم لأن الاعتلاء على الشيء أقوى أحوال التمكن من قهره ، فهي تمثيلية . وجملة :
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
واقعة جوابا لقول قومه
إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
[ الأعراف : 125 ] إلى آخرها الذي أجابوا به عن وعيد فرعون ، فكان موسى معدودا في المحاورة ، ولذلك نزل كلامه الذي خاطب به قومه منزلة جواب منه لفرعون ، لأنه في قوة التصريح بقلة الاكتراث بالوعيد ، وبدفع ذلك بالتوكل على اللّه . والتوكل هو جماع قوله :
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
وقد عبر عن ذلك بلفظ التوكل في قوله :
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
في سورة يونس [ 84 ] ، فإن حقيقة التوكل أنه طلب نصر اللّه وتأييده في الأمر الذي يرغب حصوله ، وذلك داخل في الاستعانة وهو يستلزم الصبر على الضر لاعتقاد أنه زائل بإذن اللّه . وخاطب موسى قومه بذلك تطمينا لقلوبهم ، وتعليما لهم بنصر اللّه إياهم لأنه علم لأنه بوحي اللّه إليه . وجملة :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
تذييل وتعليل للأمر بالاستعانة باللّه والصبر ، أي : افعلوا ذلك لأن حكم الظلم لا يدوم ، ولأجل هذا المعنى فصلت الجملة . وقوله :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
كناية عن ترقب زوال استعباد فرعون إياهم ، قصد منها صرف اليأس عن أنفسهم الناشئ عن مشاهدة قوة فرعون وسلطانه ، بأن اللّه الذي خوله ذلك السلطان قادر على نزعه منه لأن ملك الأرض كلها للّه فهو الذي يقدر لمن يشاء ملك شيء منها وهو الذي يقدر نزعه . فالمراد من الأرض هنا الدنيا لأنه أليق بالتذييل وأقوى في التعليل ، فهذا إيماء إلى أنهم خارجون من مصر وسيملكون أرضا أخرى . وجملة :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
تذييل ، فيجوز أن تكون الواو اعتراضية ، أي : عاطفة على ما في قوله :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
من معنى التعليل ، فيكون هذا تعليلا ثانيا للأمر بالاستعانة والصبر ، وبهذا الاعتبار أوثر العطف بالواو على فصل الجملة مع أن مقتضى التذييل أن تكون مفصولة . والعاقبة حقيقتها نهاية أمر من الأمور وآخره ، كقوله تعالى :
فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ
[ الحشر : 17 ] ، وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
في أول سورة الأنعام [ 11 ] ، فإذا عرفت العاقبة باللام
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 245 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور