كان المراد منها انتهاء أمر الشيء بأحسن من أوله ولعل التعريف فيها من قبيل العلم بالغلبة . وذلك لأن كل أحد يود أن يكون آخر أحواله خيرا من أولها ؛ لكراهة مفارقة الملائم ، أو للرغبة في زوال المنافر ، فلذلك أطلقت العاقبة معرفة على انتهاء الحال بما يسر ويلائم ، كما قال تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
[ طه : 132 ] . وفي حديث أبي سفيان قول هرقل : « وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة » فلا تطلق المعرفة على عاقبة السوء .
فالمراد بالعاقبة هنا عاقبة أمورهم في الحياة الدنيا ليناسب قوله
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وتشمل عاقبة الخير في الآخرة لأنها أهم ما يلاحظه المؤمنون .
والمتقون : المؤمنون العاملون .
وجيء في جملتي :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
بلفظين عامين ، وهما : من يشاء من عباده والمتقين ، لتكون الجملتان تذييلا للكلام وليحرص السامعون على أن يكونوا من المتقين .
وقد علم من قوله :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
أن من يشاء اللّه أن يورثهم الأرض هم المتقون إذا كان في الناس متقون وغيرهم ، وأن تمليك الأرض لغيرهم إمّا عارض وإمّا لاستواء أهل الأرض في عدم التقوى .
[ 129 ]
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 129 ]
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 )
قالُوا
حكاية جواب قوم موسى إياه ، فلذلك فصلت جملة القول على طريقة المحاورة ، وهذا الخبر مستعمل في الشكاية واستئثارهم موسى ليدعو ربه أن يفرج كربهم .
والإيذاء : الإصابة بالأذى ، والأذى ما يؤلم ويحزن من قول أو فعل ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً
في سورة آل عمران [ 111 ] ، وقوله :
فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا
في سورة الأنعام [ 34 ] ، وهو يكون ضعيفا وقويا ، ومرادهم هنا القوي منه ، وهو ما لحقهم من الاستعباد وتكليفهم الأعمال الشاقة عليهم في خدمة فرعون وما توعدهم به فرعون بعد بعثة موسى من القطع والصلب وقتل الأبناء ، وكأنهم أرادوا التعريض بنفاد صبرهم وأن الأذى الذي مسهم بعد بعثة موسى لم يكن بداية الأذى ، بل جاء بعد طول مدة في الأذى ، فلذلك جمعوا في كلامهم ما لحقهم قبل بعثة موسى .
وقد توهم بعض المفسرين أن هذا امتعاض منهم مما لحقهم بسبب موسى وبواسطته