مصر وأهلها فإنه قال لهم :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] فلما وصف موسى مرسله بأنه رب العالمين شمل فرعون وأهل مملكته فتبطل دعوى فرعون أنه إله مصر بطريق اللزوم ، ودخل في ذلك جميع البلاد والعباد الذين لم يكن فرعون يدعي أنه إلههم مثل الفرس والأشوريين .
وقوله :
حَقِيقٌ عَلى
قرأه نافع بالياء في آخر ( علي ) فهي ياء المتكلم دخل عليها حرف ( على ) وتعدية حقيق بحرف ( على ) معروفة . قال تعالى :
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا
[ الصافات : 31 ] ، ولأن حقيق بمعنى واجب فتعديته بحرف على واضحة ، و
حَقِيقٌ
خبر ثان عن
إِنِّي
، فليس في ضمير المتكلم من قوله : ( علي ) على قراءة نافع التفات ، بخلاف ما لو جعل قوله :
حَقِيقٌ
صفة ل
رَسُولٌ
فحينئذ يكون مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الغائب ، فيقول : حقيق عليه ، فيكون العدول إلى التكلم التفاتا ، وفاعل
حَقِيقٌ
هو المصدر المأخوذ من قوله :
أَنْ لا أَقُولَ
أي : حقيق علي عدم قولي على اللّه غير الحق .
وحقيق فعيل بمعنى فاعل ، وهو مشتق من ( حق ) بمعنى وجب وثبت أي : متعين وواجب علي قول الحق على اللّه ، و ( على ) الأولى للاستعلاء المجازي و ( على ) الثانية بمعنى عن ، وقرأ الجمهور ( على ) بألف بعد اللام ، وهي ( على ) الجارة .
ففي تعلق ( على ) ومجرورها الظاهر ب
حَقِيقٌ
تأويل بوجوه أحسنها قول الفراء ، وأبي علي الفارسي : أن ( على ) هنا بمعنى الباء وأن
حَقِيقٌ
فعيل بمعنى مفعول : أي محقوق بأن لا أقول على اللّه إلّا الحق ، أي : مجعول قول الحق حقّا علي ، كقول الأعشى :
لمحقوقة أن تستجيبي لقوله أي محقوقة بأن تستجيبي ، وقول سعيد بن زيد « ولو أنّ أحدا انقضّ لما صنعتم بعثمان لكان محقوقا بأن ينقضّ » .
ومنها ما قال صاحب « الكشاف » « والأوجه الأدخل في نكت القرآن أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام فيقول : أنا حقيق على قول الحق ، أي : أنا واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به » . قال شارحوه : فالمعنى لو كان قول الحق شخصا عاقلا لكنت أنا واجبا عليه . أن لا يصدر إلّا عنّي وأن أكون قائله ، وهو على هذا استعارة بالكناية : شبه قول الحق بالعقلاء الذين يختارون مواردهم ومصادرهم .