تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
والمراد بالمفسدين : فرعون وملأه ، فهو من الإظهار في مقام الإضمار تنبيها على أنهم أصيبوا بسوء العاقبة لكفرهم وفسادهم ، والكفر أعظم الفساد لأنه فساد القلب ينشأ عنه فساد الأعمال ، وفي الحديث : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب » . [ 104 - 108 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 104 إلى 108 ]

وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 104 ) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) عطف قول موسى بالواو ، ولم يفصل عمّا قبله ، مع أن جملة هذا القول بمنزلة البيان لجملة
بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى
[ الأعراف : 103 ] ، لأنه لما كان قوله :
بِآياتِنا
[ الأعراف : 103 ] حالا من موسى فقد فهم أن المقصود تنظير حال الذين أرسل إليهم موسى بحال الأمم التي مضى الإخبار عنها في المكابرة على التكذيب ، مع ظهور آيات الصدق ، ليتم بذلك تشابه حال الماضين مع حال الحاضرين المكذبين بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فجعلت حكاية محاورة موسى مع فرعون وملئه خبرا مستقلا لأنه لم يحك فيه قوله المقارن لإظهار الآية بل ذكرت الآية من قبل ، بخلاف ما حكي في القصص التي قبلها فإن حكاية أقوال الرسل كانت قبل ذكر الآية ، ولأن القصة هنا قد حكي جميعها باختصار بجمل
بَعَثْنا
[ الأعراف : 103 ] ،
فَظَلَمُوا
[ الأعراف : 103 ] ،
فَانْظُرْ
[ الأعراف : 103 ] ، فصارت جملة :
قالَ
تفصيلا لبعض ما تقدم ، فلا تكون مفصولة لأن الفصل إنما يكون بين جملتين ، لا بين جملة وبين عدة جمل أخرى . والظاهر أن خطاب موسى فرعون بقوله :
يا فِرْعَوْنُ
خطاب إكرام لأنه ناداه بالاسم الدال على الملك والسلطان بحسب متعارف أمته فليس هو بترفع عليه لأن اللّه تعالى قال له ولهارون
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
[ طه : 44 ] ، والظاهر أيضا أن قول موسى هذا هو أول ما خاطب به فرعون كما دلت عليه سورة طه . وصوغ حكاية كلام موسى بصيغة التأكيد بحرف ( إن ) لأن المخاطب مظنة الإنكار أو التردد القوي في صحة الخبر . واختيار صفة
رَبِّ الْعالَمِينَ
في الإعلام بالمرسل إبطال لاعتقاد فرعون أنه رب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 224 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور