تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
الغلبة ، كما تقدم في قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
في سورة الأنعام [ 42 ] . وقوله :
بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
تقدم ما يفسّرها في قوله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
في سورة الأنعام [ 42 ] . ويفسر بعضها أيضا في قوله :
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
في سورة البقرة [ 177 ] . واستغنت جملة الحال الماضوية على الواو و ( قد ) بحرف الاستثناء ، فلا يجتمع مع ( قد ) إلّا نادرا ، أي : ابتدأناهم بالتخويف والمصائب لتفل من حدتهم وتصرف تأملهم إلى تطلب أسباب المصائب فيعلموا أنها من غضب اللّه عليهم فيتوبوا . والتبديل : التعويض ، فحقه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء المفيدة معنى البدلية ويكون ذلك المفعول الثاني المدخول للباء هو المتروك ، والمفعول الأول هو المأخوذ ، كما في قوله تعالى :
قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
في سورة البقرة [ 61 ] ، وقوله :
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
في سورة النساء [ 2 ] ، لذلك انتصب
الْحَسَنَةَ
هنا لأنها المأخوذة لهم بعد السيّئة فهي المفعول الأول والسيّئة هي المتروكة ، وعدل عن جر السيئة بالباء إلى لفظ يؤدي مؤدى باء البدلية وهو لفظ ( مكان ) المستعمل ظرفا مجازا عن الخليفة ، يقال خذ هذا مكان ذلك ، أي : خذه خلفا عن ذلك لأن الخلف يحل في مكان المخلوف عنه ، ومن هذا القبيل قول امرئ القيس : وبدلت قرحا داميا بعد نعمة فجعل ( بعد ) عوضا عن باء البدلية . فقوله :
مَكانَ
منصوب على الظرفية مجازا ، أي : بدلناهم حسنة في مكان السيّئة ، والحسنة اسم اعتبر مؤنثا لتأويله بالحالة والحادثة وكذلك السيئة فهما في الأصل صفتان لموصوف محذوف ، ثم كثر حذف الموصوف لقلة جدوى ذكره فصارت الصفتان كالاسمين ، ولذلك عبر عن الحسنة في بعض الآيات بما يتلمّح منه معنى وصفيّتها نحو قوله تعالى :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ فصلت : 34 ] أي : ادفع السيّئة بالحسنة ، فلما جاء بطريقة الموصولية والصلة بأفعل التفضيل تلمح معنى الوصفية فيهما ، وكذلك قوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
[ فصلت : 34 ] . ومثلهما في هذا المصيبة ، كما في قوله تعالى في سورة براءة [ 50 ] :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ