تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
شر الكفرة المضمر لهم ، وهو الفتنة في الأهل بالإخراج ، وفي الدين بالإكراه على اتباع الكفر . وتقديم الجار والمجرور على فعل
تَوَكَّلْنا
لإفادة الاختصاص تحقيقا لمعنى التوحيد ونبذ غير اللّه ، ولما في قوله :
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
من التفويض إليه في كفايتهم أمر أعدائهم ، صرح بما يزيد ذلك بقوله :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
. وفسروا الفتح هنا بالقضاء والحكم ، وقالوا : هو لغة أزد عمان من اليمن ، أي احكم بيننا وبينهم ، وهي مأخوذة من الفتح بمعنى النصر لأن العرب كانوا لا يتحاكمون لغير السيف ، ويحسبون أن النصر حكم اللّه للغالب على المغلوب . وقوله :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
هو كقوله :
وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
[ الأعراف : 87 ] ، أي وأنت خير الناصرين ، وخير الحاكمين هو أفضل أهل هذا الوصف ، وهو الذي يتحقق فيه كمال هذا الوصف فيما يقصد منه وفي فائدته بحيث لا يشتبه عليه الحق بالباطل ولا تروج عليه الترهات . والحكام مراتب كثيرة ، فتبين وجه التفضيل في قوله :
وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
[ الأعراف : 87 ] وكذلك القياس في قوله :
خَيْرُ النَّاصِرِينَ
[ آل عمران : 150 ] و
خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ آل عمران : 54 ] وقد تقدم في سورة آل عمران [ 150 ] :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ
. [ 90 - 92 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 90 إلى 92 ]

وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 90 ) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 91 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ( 92 ) عطفت جملة :
وَقالَ الْمَلَأُ
ولم تفصل كما فصلت التي قبلها لانتهاء المحاورة المقتضية فصل الجمل في حكاية المحاورة ، وهذا قول أنف وجه فيه الملأ خطابهم إلى عامة قومهم الباقين على الكفر تحذيرا لهم من اتباع شعيب خشية عليهم من أن تحيك في نفوسهم دعوة شعيب وصدق مجادلته ، فلما رأوا حجته ساطعة ولم يستطيعوا الفلج عليه في المجادلة ، وصمموا على كفرهم ، أقبلوا على خطاب الحاضرين من قومهم ليحذروهم من متابعة شعيب ويهددوهم بالخسارة . وذكر
الْمَلَأُ
إظهار في مقام الإضمار لبعد المعاد . وإنّما وصف الملأ بالموصول وصلته دون أن يكتفي بحرف التعريف المقتضي أن الملأ الثاني هو الملأ المذكور قبله ،