تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
واستأنف مرتقيا في الجواب ، فبيّن استحالة عودهم إلى ملّة الكفر بأن العود إليها يستلزم كذبه فيما بلّغه عن اللّه تعالى من إرساله إليهم بالتوحيد فذلك كذب على اللّه عن عمد ، لأن الذي يرسله اللّه لا يرجع إلى الكفر ، ويستلزم كذب الذين آمنوا به على اللّه حيث أيقنوا بأن شعيبا مبعوث من اللّه بما دلهم على ذلك من الدلائل ، ولذلك جاء بضمير المتكلّم المشارك في كل من قوله :
افْتَرَيْنا
و
عُدْنا
و
نَجَّانَا
و
نَعُودَ
و
رَبُّنا
و
تَوَكَّلْنا
. والربط بين الشرط وجوابه ربط التّبيّن والانكشاف . لأنه لا يصح تعليق حصول الافتراء بالعود في ملة قومه ، فإن الافتراء المفروض بهذا المعنى سابق متحقق وإنّما يكشفه رجوعهم إلى ملّة قومهم ، أي إن يقع عودنا في ملتكم فقد تبين أننا افترينا على اللّه كذبا ، فالماضي في قوله :
افْتَرَيْنا
ماض حقيقي كما يقتضيه دخول
قَدِ
عليه ، وتقديمه على الشرط لأنه في الحالتين لا تقلبه ( إن ) للاستقبال ، أما الماضي الواقع شرطا ل ( إن ) في قوله :
إِنْ عُدْنا
فهو بمعنى المستقبل لأن ( إن ) تقلب الماضي للمستقبل عكس ( لم ) . وقوله :
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
على هذا الوجه ، معناه : بعد إذ هدانا اللّه للدين الحق الذي اتبعناه بالوحي فنجانا من الكفر ، فذكر الإنجاء لدلالته على الإهداء والإعلان بأن مفارقة الكفر نجاة ، فيكون في الكلام إيجاز حذف أو كناية . وهذه البعدية ليست قيدا ل
افْتَرَيْنا
ولا هي موجب كون العود في ملّتهم دالا على كذبه في الرسالة ، بل هذه البعدية متعلقة ب
عُدْنا
يقصد منها تفظيع هذا العود وتأييس الكافرين من عود شعيب وأتباعه إلى ملّة الكفر ، بخلاف حالهم الأولى قبل الإيمان فإنهم يوصفون بالكفر لا بالافتراء إذ لم يظهر لهم وجه الحق ، ولذلك عقبه بقوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها
أي لأن ذلك لا يقصده العاقل فيلقي نفسه في الضلال والتعرض للعذاب . وانتصاب
كَذِباً
على المفعولية المطلقة تأكيدا ل
افْتَرَيْنا
بنا هو ما سوله أو أعم منه ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى :
وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
في سورة المائدة [ 103 ] . وقد رتّب على مقدمة لزوم الافتراء نتيجة تأييس قومه من أن يعود المؤمنون إلى ملّة الكفر بقوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها
فنفي العود نفيا مؤكدا بلام الجحود وقد تقدم بيان تأكيد النفي بلام الجحود في قوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ
إلخ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 198 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور