تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
« منظومته النونية » ، وتبعه تلميذه نور الدين الشيرازي في « شرحه » . ومما يجب التنبيه له أن الخلاف في المسألة إنما هو مفروض في صحّة قول المؤمن : أنا مؤمن إن شاء اللّه ، وأن قوله ذلك هل ينبئ عن شكه في إيمانه ، وليس الخلاف في أنّه يجب عليه أن يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه ، عند القائلين بذلك ، بدليل أنهم كثيرا ما يقابلون قول القائلين بالمشيئة بقول الآخرين : أنا مؤمن عند اللّه ، فرجعت المسألة إلى اختلاف النظر في حالة عقد القلب مع ما هو في علم اللّه من خاتمته ، وبذلك سهل إرجاع الخلاف إلى الخلاف اللفظي . والإتيان بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم المشارك : إظهار لحضرة الإطلاق ، وتعريض بأن اللّه مولى الذين آمنوا . والخلاف بيننا وبين المعتزلة في جواز مشيئة اللّه تعالى الكفر والمعاصي خلاف ناشئ عن الخلاف في تحقيق معنى المشيئة والإرادة ، ولكلا الفريقين اصطلاح في ذلك يخالف اصطلاح الآخر ، والمسألة طفيفة وإن هوّلها الفريقان ، واصطلاحنا أسعد بالشريعة وأقرب إلى اللغة ، والمسألة كلها من فروع مسألة التكليف وقدرة المكلف . وقوله :
وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
تفويض لعلم اللّه ، أي إلّا أن يشاء ذلك فهو أعلم بمراده منا ، وإعادة وصف الربوبية إظهار في مقام الإضمار لزيادة إظهار وصفه بالربوبية ، وتأكيد التعريض المتقدم ، حتى يصير كالتصريح . وانتصب
عِلْماً
على التمييز المحول عن الفاعل لقصد الإجمال ثم التفصيل للاهتمام . وانتصب
كُلَّ شَيْءٍ
على المفعول به ل
وَسِعَ
، أي : وسع علم ربنا كل شيء . والسعة : مستعملة مجازا في الإحاطة بكل شيء لأن الشيء الواسع يكون أكثر إحاطة . وفي هذه المجادلة إدماج تعليم بعض صفات اللّه لأتباعه وغيرهم على عادة الخطباء في انتهاز الفرصة . ثم أخبر بأنه ومن تبعه قد توكلوا على اللّه ، والتوكل : تفويض مباشرة صلاح المرء إلى غيره ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في آل عمران [ 159 ] ، وهذا تفويض يقتضي طلب الخير ، أي : رجونا أن لا يسلبنا الإيمان الحق ولا يفسد خلق عقولنا وقلوبنا فلا نفتن ونضل ، ورجونا أن يكفينا شر من يضمر لنا شرا وذلك
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 200 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور