تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
لقصد زيادة ذم الملأ بوصف الكفر ، كما ذم فيما سبق بوصف الاستكبار . ووصف
الْمَلَأُ
هنا بالكفر لمناسبة الكلام المحكي عنهم ، الدال على تصلّبهم في كفرهم ، كما وصفوا في الآية السابقة بالاستكبار لمناسبة حال مجادلتهم شعيبا ، كما تقدم ، فحصل من الآيتين أنّهم مستكبرون كافرون . والمخاطب في قوله :
لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً
هم الحاضرون حين الخطاب لدى الملإ ، فحكي كلام الملأ كما صدر منهم ، والسياق يفسر المعنيين بالخطاب ، أعني عامّة قوم شعيب الباقين على الكفر . ( واللام ) موطّئة للقسم . و
إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
جواب القسم وهو دليل على جواب الشرط محذوف ، كما هو الشأن في مثل هذا التركيب . والخسران تقدم عند قوله تعالى :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ
في سورة الأنعام [ 140 ] . وهو مستعار لحصول الضر من حيث أريد النفع ، والمراد به هنا التحذير من أضرار تحصل لهم في الدنيا من جراء غضب آلهتهم عليهم ، لأن الظاهر أنّهم لا يعتقدون البعث ، فإن كانوا يعتقدونه ، فالمراد الخسران الأعم ، ولكن الأهم عندهم هو الدنيوي . ( والفاء ) في :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
للتعقيب ، أي : كان أخذ الرجفة إياهم عقب قولهم لقومهم ما قالوا . وتقدم تفسير :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ
في نظيرها من قصة ثمود . والرجفة التي أصابت أهل مدين هي صواعق خرجت من ظلة ، وهي السحابة ، قال تعالى في سورة الشعراء [ 189 ] .
فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ
، وقد عبر عن الرجفة في سورة هود بالصيحة فتعين أن تكون من نوع الأصوات المنشقة عن قالع ومقلوع لا عن قارع ومقروع وهو الزلزال ، والأظهر أن يكون أصابهم زلزال وصواعق فتكون الرجفة الزلزال والصيحة الصاعقة كما يدل عليه قوله :
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
. وجملة :
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً
مستأنفة ابتدائية ، والتعريف بالموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر ، وهو أن اضمحلالهم وانقطاع دابرهم كان جزاء لهم على تكذيبهم شعيبا . ومعنى :
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
تشبيه حالة استيصالهم وعفاء آثارهم بحال من لم