تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
لا يصفونهم بالإيمان الحقّ في اعتقادهم . والقرية ( المدينة ) لأنها يجتمع بها السكان . والتقرّي : الاجتماع . وقد تقدم عند قوله تعالى :
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
[ البقرة : 259 ] ، والمراد بقريتهم هنا هي ( الأيكة ) وهي ( تبوك ) وقد رددوا أمر شعيب ومن معه بين أن يخرجوا من القرية وبين العود إلى ملة الكفر . وقد جعلوا عود شعيب والذين معه إلى ملّة القوم مقسما عليه فقالوا :
أَوْ لَتَعُودُنَّ
ولم يقولوا : لنخرجنّكم من أرضنا أو تعودن في ملّتنا ، لأنّهم أرادوا ترديد الأمرين في حيز القسم لأنهم فاعلون أحد الأمرين لا محالة وأنّهم ملحّون في عودهم إلى ملّتهم . وكانوا يظنّون اختياره العود إلى ملّتهم ، فأكدوا هذا العود بالقسم للإشارة إلى أنّه لا محيد عن حصوله عوضا عن حصول الإخراج لأن أحد الأمرين مرض للمقسمين ، وأيضا فإن التوكيد مؤذن بأنّهم إن أبوا الخروج من القرية فإنهم يكرهون على العود إلى ملّة القوم كما دل عليه قول شعيب في جوابهم :
أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
ولما كان المقام للتوعّد والتّهديد كان ذكر الإخراج من أرضهم أهم ، فلذلك قدموا القسم عليه ثم أعقبوه بالمعطوف بحرف ( أو ) . والعود : الرجوع إلى ما كان فيه المرء من مكان أو عمل ، وجعلوا موافقة شعيب إياهم على الكفر عودا لأنهم يحسبون شعيبا كان على دينهم ، حيث لم يكونوا يعلمون منه ما يخالف ذلك ، فهم يحسبونه ، موافقا لهم من قبل أن يدعو إلى ما دعا إليه . وشأن الذين أرادهم اللّه للنبوءة أن يكونوا غير مشاركين لأهل الضلال من قومهم ولكنّهم يكونون قبل أن يوحى إليهم في حالة خلو عن الإيمان حتى يهديهم اللّه إليه تدريجا ، وقومهم لا يعلمون باطنهم فلا حيرة في تسمية قومه موافقته إيّاهم عودا . وهذا بناء على أن الأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوءة ، وذلك قول جميع المتكلمين من المسلمين ، وقد نبّه على ذلك عياض في « الشفاء » في القسم الثالث وأورد قول شعيب :
إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ
[ الأعراف : 89 ] وتأول العود بأنّه المصير ، وذلك تأويل كثير من المفسرين لهذه الآية . ودليل العصمة من هذا هو كمالهم ، والدليل مبني على أن خلاف الكمال قبل الوحي يعد نقصا ، وليس في الشريعة دليل قاطع على ذلك ، وإنّما الإشكال في قول شعيب
إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ
[ الأعراف : 89 ] فوجهه أنّه أجراه على المشاكلة والتغليب . وكلاهما مصحّح لاستعمال لفظ العود في غير معناه بالنسبة إليه خاصة ، وقد