تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
ببلاد ( سدوم ) ولم يكن بينهم وبينه قرابة . والقوم الذين أرسل إليهم لوط عليه السّلام هم أهل قرية ( سدوم ) و ( عمّورة ) من أرض كنعان ، وربّما أطلق اسم سدوم وعمّورة على سكّانهما . وهو أسلاف الفنيقيين وكانتا على شاطئ السديم ، وهو بحر الملح ، كما جاء في التّوراة « 1 » وهو البحر الميّت المدعو ( بحيرة لوط ) بقرب أرشليم . وكانت قرب سدوم ومن معهم أحدثوا فاحشة استمتاع الرّجال بالرّجال ، فأمر اللّه لوطا عليه السّلام لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمّه إبراهيم عليه السّلام أن ينهاهم ويغلظ عليهم . فالاستفهام في
أَ تَأْتُونَ
إنكاري توبيخي ، والإتيان المستفهم عنه مجاز في التّلبّس والعمل ، أي أتعملون الفاحشة ، وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي كناية مشهورة . والفاحشة : الفعل الدّنيء الذّميم ، وقد تقدّم الكلام عليها عند تفسير قوله تعالى :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
[ الأعراف : 28 ] : والمراد هنا فاحشة معروفة ، فالتّعريف للعهد . وجملة :
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
مستأنفة استينافا ابتدائيا ، فإنّه بعد أن أنكر عليهم إتيان الفاحشة ، وعبّر عنها بالفاحشة ، وبّخهم بأنّهم أحدثوها ، ولم تكن معروفة في البشر فقد سنّوا سنة سيّئة للفاحشين في ذلك . ويجوز أن تكون جملة :
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ
صفة للفاحشة ، ويجوز أن تكون حالا من ضمير :
تَأْتُونَ
أو من :
الْفاحِشَةَ
. السبق حقيقته : وصول الماشي إلى مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره ، ويستعمل مجازا في التّقدّم في الزّمان ، أي الأوّلية والابتداء ، وهو المراد هنا ، والمقصود أنّهم سبقوا النّاس بهذه الفاحشة إذ لا يقصد بمثل هذا التّركيب أنّهم ابتدءوا مع غيرهم في وقت واحد . والباء لتعدية فعل ( سبق ) لاستعماله بمعنى ( ابتدأ ) فالباء ترشيح للتّبعيّة . و ( من ) الدّاخلة على ( أحد ) لتوكيد النّفي للدّلالة على معنى الاستغراق في النّفي . و ( من ) الداخلة على
الْعالَمِينَ
للتبعيض .
هامش
( 1 ) الإصلاح 14 من سفر التّكوين 20