تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
والعتوّ تجاوز الحد في الكبر ، وتعديته ب ( من ) لتضمينه معنى الإعراض . وأمر ربّهم هو ما أمرهم به على لسان صالح عليه السّلام من قوله :
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
[ الأعراف : 73 ] فعبّر عن النّهي بالأمر لأنّ النّهي عن الشّيء مقصود منه الأمر بفعل ضدّه ، ولذلك يقول علماء الأصول إنّ النّهي عن الشّيء يستلزم الأمر بضدّه الذي يحصل به تحقّق الكفّ عن المنهي عنه . وأرادوا :
بِما تَعِدُنا
العذاب الذي توعّدهم به مجملا . وجيء بالموصول للدّلالة على أنّهم لا يخشون شيئا ممّا يريده من الوعيد المجمل . فالمراد بما تتوعدنا به وصيغت صلة الموصول من مادة الوعد لأنه أخف من مادة الوعد . وقد فرضوا كونه من المرسلين بحرف ( إن ) الدّال على الشكّ في حصول الشّرط ، أي إن كنت من الرّسل عن اللّه فالمراد بالمرسلين من صدق عليهم هذا اللّقب . وهؤلاء لجهلهم بحقيقة تصرّف اللّه تعالى وحكمته ، يحسبون أنّ تصرّفات اللّه كتصرّفات الخلق ، فإذا أرسل رسولا ولم يصدّقه المرسل إليهم غضب اللّه واندفع إلى إنزال العقاب إليهم ، ولا يعلمون أنّ اللّه يمهل الظّالمين ثمّ يأخذهم متى شاء . وجملة
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
معترضة بين جملة
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ
وبين جملة
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ
[ الأعراف : 79 ] أريد باعتراضها التّعجيل بالخبر عن نفاذ الوعيد فيهم بعقب عتوّهم ، فالتّعقيب عرفي ، أي لم يكن بين العقر وبين الرجفة زمن طويل ، كان بينهما ثلاثة أيّام ، كما ورد في آية سورة هود [ 65 ] :
فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
. وأصل الأخذ تناول شيء باليد ، ويستعمل مجازا في ملك الشيء ، بعلاقة اللّزوم ، ويستعمل أيضا في القهر كقوله :
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
[ الأنفال : 52 ] ،
فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً
[ الحاقة : 10 ] وأخذ الرّجفة : إهلاكها إياهم وإحاطتها بهم إحاطة الآخذ . ولا شكّ أنّ اللّه نجّى صالحا عليه السّلام والذين آمنوا معه ، كما في آية سورة هود . وقد روي أنّه خرج في مائة وعشرة من المؤمنين ، فقيل : نزلوا رملة فلسطين ، وقيل : تباعدوا عن ديار قومهم بحيث يرونها ، فلمّا أخذتهم الرّجفة وهلكوا عاد صالح عليه السّلام ومن آمن معه فسكنوا ديارهم ، وقيل : سكنوا مكّة وأنّ صالحا عليه السّلام دفن بها ، وهذا بعيد كما قلناه في عاد ، ومن أهل الأنساب من يقول : إنّ ثقيفا من بقايا ثمود ، أي من ذرّية من نجا منهم من العذاب ، ولم يذكر القرآن أنّ ثمودا انقطع دابرهم فيجوز أن تكون منهم بقية .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور