تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وقوله :
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ
تفسيره مثل تفسير قوله في قصّة نوح عليه السّلام :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ
[ الأعراف : 62 ] واللّام في ( لقد ) لام القسم ، وتقدّم نظيره عند قوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً
[ الأعراف : 59 ] . والاستدراك ب ( لكن ) ناشئ عن قوله :
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ
لأنّه مستعمل في التّبرّؤ من التقصير في معالجة كفرهم ، سواء كان بحيث هم يسمعونه أم كان قاله في نفسه ، فلذلك التّبرّؤ يؤذن بدفع توهّم تقصير في الإبلاغ والنّصيحة لانعدام ظهور فائدة الإبلاغ والنّصيحة ، فاستدرك بقوله :
وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
، أي تكرهون النّاصحين فلا تطيعونهم في نصحهم ، لأنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ، فأراد بذلك الكناية عن رفضهم النّصيحة . واستعمال المضارع في قوله :
لا تُحِبُّونَ
إن كان في حال سماعهم قوله فهو للدّلالة على التّجديد والتّكرير ، أي لم يزل هذا دأبكم فيكون ذلك آخر علاج لإقلاعهم إن كانت فيهم بقيّة للإقلاع عمّا هم فيه ، وإن كان بعد انقضاء سماعهم فالمضارع لحكاية الحال الماضية مثلها في قوله تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
[ فاطر : 9 ] . [ 80 ، 81 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 80 إلى 81 ]

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ( 80 ) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 81 ) عطف
وَلُوطاً
على
نُوحاً
في قوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً
[ الأعراف : 59 ] فالتّقدير : وأرسلنا لوطا ، وتغيير الأسلوب في ابتداء قصّة لوط وقومه إذ ابتدئت بذكر ( لوطا ) كما ابتدئت قصّة بذكر نوح لأنه لم يكن لقوم لوط اسم يعرفون به كما لم يكن لقوم نوح اسم يعرفون به . و ( إذ ) - ظرف متعلّق ب ( أرسلنا ) المقدر يعني أرسلناه وقت قال لقومه وجعل وقت القول ظرفا للإرسال لإفادة مبادرته بدعوة قومه إلى ما أرسله اللّه به ، والمقارنة التي تقتضيها الظّرفية بين وقت الإرسال ووقت قوله ، مقارنة عرفية بمعنى شدّة القرب بأقصى ما يستطاع من مبادرة التّبليغ . وقوم لوط كانوا خليطا من الكنعانيين وممّن نزل حولهم . ولذلك لم يوصف بأنّه أخوهم إذ لم يكن من قبائلهم ، وإنّما نزل فيهم واستوطن ديارهم . ولوط عليه السّلام هو ابن أخي إبراهيم عليه السّلام كما تقدّم في سورة الأنعام ، وكان لوط عليه السّلام قد نزل