تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
والرّجفة : اضطراب الأرض وارتجاجها ، فتكون من حوادث سماوية كالرّياح العاصفة والصّواعق ، وتكون من أسباب أرضيّة كالزلازل ، فالرّجفة اسم للحالة الحاصلة ، وقد سمّاها في سورة هود بالصّيحة فعلمنا أنّ الذي أصاب ثمود هو صاعقة أو صواعق متوالية رجفت أرضهم وأهلكتهم صعقين ، ويحتمل أن تقارنها زلازل أرضية . والدّار : المكان الذي يحتلّه القوم ، وهو يفرد ويجمع باعتبارين ، فلذلك قال في آية سورة هود :
فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ
.
فَأَصْبَحُوا
هنا بمعنى صاروا . والجاثم : المكب على صدره في الأرض مع قبض ساقيه كما يجثو الأرنب ، ولمّا كان ذلك أشدّ سكونا وانقطاعا عن اضطراب الأعضاء استعمل في الآية كناية عن همود الجثّة بالموت ، ويجوز أن يكون المراد تشبيه حالة وقوعهم على وجوههم حين صعقوا بحالة الجاثم تفظيعا لهيئة ميتتهم ، والمعنى أنّهم أصبحوا جثثا هامدة ميّتة على أبشع منظر لميّت . [ 79 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 79 ]

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ( 79 ) والفاء في قوله :
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ
عاطفة على جملة :
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ
[ الأعراف : 77 ] والتّولي الانصراف عن فراق وغضب ، ويطلق مجازا على عدم الاكتراث بالشّيء ، وهو هنا يحتمل أن يكون حقيقة فيكون المراد به أنّه فارق ديار قومه حين علم أنّ العذاب نازل بهم ، فيكون التّعقيب لقوله :
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ
[ الأعراف : 77 ] لأن ظاهر تعقيب التّولي عنهم وخطابه إياهم أن لا يكون بعد أن تأخذهم الرّجفة وأصبحوا جاثمين . ويحتمل أن يكون مجازا بقرينة الخطاب أيضا ، أي فأعرض عن النّظر إلى القرية بعد أصابتها بالصّاعقة ، أو فأعرض عن الحزن عليهم واشتغل بالمؤمنين كما قال تعالى :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 3 ] . فعلى الوجه الأول يكون قوله :
يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ
إلخ مستعملا في التّوبيخ لهم والتّسجيل عليهم ، وعلى الوجه الثّاني يكون مستعملا في التحسر أو في التّبري منهم ، فيكون النّداء تحسر فلا يقتضي كون أصحاب الاسم المنادى ممّن يعقل النّداء حينئذ ، مثل ما تنادى الحسرة في : يا حسرة .