تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وَالَّذِينَ مَعَهُ
هم الذين آمنوا به ، وسنذكر تعيينهم عند الكلام على قصّته في سورة هود . والإتيان بالموصول في قوله :
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
دون أن يقال : وأغرقنا سائرهم ، أو بقيتهم ، لما تؤذن به الصّلة من وجه تعليل الخبر في قوله :
وَأَغْرَقْنَا
أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم . وجملة :
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ
تتنزل منزلة العلّة لجملة
أَغْرَقْنَا
كما دلّ عليه حرف ( إن ) لأنّ حرف ( إن ) هنا لا يقصد به ردّ الشكّ والتّردّد ، إذ لا شكّ فيه ، وإنّما المقصود من الحرف الدّلالة على الاهتمام بالخبر ، ومن شأن ( إن ) إذا جاءت للاهتمام أن تقوم مقام فاء التّفريع ، وتفيد التّعليل وربط الجملة بالتي قبلها . ففصل هذه الجملة كلا فصل . و
عَمِينَ
جمع عم جمع سلامة بواو ونون . وهو صفة على وزن فعل مثل أشر ، مشتق من العمى ، وأصله فقدان البصر ، ويطلق مجازا على فقدان الرأي النّافع ، ويقال : عمى القلب ، وقد غلب في الكلام تخصيص الموصوف بالمعنى المجازي بالصّفة المشبّهة لدلالتها على ثبوت الصّفة ، وتمكّنها بأن تكون سجية وإنّما يصدّق ذلك في فقد الرّأي ، لأنّ المرء يخلق عليه غالبا ، بخلاف فقد البصر ، ولذلك قال تعالى هنا
عَمِينَ
ولم يقل عميا كما قال في الآية الأخرى
عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
[ الإسراء : 97 ] ومثله قول زهير : ولكنّني عن علم ما في غد عم والذين كذّبوا كانوا عمين لأنّ قادتهم داعون إلى الضّلالة مؤيّدونها ، ودهماؤهم متقبّلون تلك الدّعوة سمّاعون لها . وقد دلّت هذه القصّة على معنى عظيم في إرادة اللّه تعالى تطوّر الخلق الإنساني : فإنّ اللّه خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وخلق له الحسّ الظاهر والحسّ الباطن ، فانتفع باستعمال بعض قواه الحسيّة في إدراك أوائل العلوم ، ولكنّه استعمل بعض ذلك فيما جلب إليه الضرّ والضّلال ، وذلك باستعمال القواعد الحسيّة فيما غاب عن حسّه وإعانتها بالقوى الوهميّة والمخيّلة ، ففكّر في خالقه وصفاته فتوهّم له أندادا وأعوانا وعشيرة وأبناء وشركاء في ملكه ، وتفاقم ذلك في الإنسان مع مرور الأزمان حتّى عاد عليه بنسيان خالقه ، إذ لم يدخل العلم به تحت حواسه الظّاهرة ، وأقبل على عبادة الآلهة الموهومة حيث اتّخذ لها
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 153 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور