تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
الدّابة . واللّام في قوله :
لِبَلَدٍ
لام العلّة ، أي لأجل بلد ميّت ، وفي هذه اللّام دلالة على العناية الرّبانية بذلك البلد فلذلك عدل عن تعدية ( سقناه ) بحرف ( إلى ) . والبلد : السّاحة الواسعة من الأرض . والميّت : مجاز أطلق على الجانب الذي انعدم منه النّبات ، وإسناد الموت المجازي إلى البلد هو أيضا مجاز عقلي ، لأنّ الميّت إنّما هو نباته وثمره ، كما دلّ عليه التّشبيه في قوله :
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى
. والضّمير المجرور بالباء في قوله :
فَأَخْرَجْنا بِهِ
يجوز أن يعود إلى البلد ، فيكون الباء بمعنى ( في ) ويجوز أن يعود إلى الماء فيكون الباء للآلة . والاستغراق في
كُلِّ الثَّمَراتِ
استغراق حقيقي ، لأنّ البلد الميّت ليس معيّنا بل يشمل كلّ بلد ميّت ينزل عليه المطر ، فيحصل من جميع أفراد البلد الميّت جميع الثّمرات قد أخرجها اللّه بواسطة الماء ، والبلد الواحد يخرج ثمراته المعتادة فيه ، فإذا نظرت إلى ذلك البلد خاصة فاجعل استغراق كلّ الثّمرات استغراقا عرفيا ، أي من كلّ الثّمرات المعروفة في ذلك البلد وحرف ( من ) للتبعيض . وجملة :
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى
معترضة استطرادا للموعظة والاستدلال على تقريب البعث الذي يستبعدونه ، والإشارة ب ( كذلك ) إلى الإخراج المتضمّن له فعل
فَأَخْرَجْنا
باعتبار ما قبله من كون البلد ميّتا ، ثمّ إحيائه أي إحياء ما فيه من أثر الزّرع والثّمر ، فوجه الشّبه هو إحياء بعد موت ، ولا شكّ أنّ لذلك الإحياء كيفيّة قدّرها اللّه وأجمل ذكرها لقصور الإفهام عن تصوّرها . وجملة :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
مستأنفة ، والرّجاء ناشئ عن الجمل المتقدّمة من قوله :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
لأنّ المراد التذكّر الشّامل الذي يزيد المؤمن عبرة وإيمانا ، والذي من شأنه أن يقلع من المشرك اعتقاد الشّرك ومن منكر البعث إنكاره . وقرأ الجمهور
تَذَكَّرُونَ
- بتشديد الذال - على إدغام التّاء الثّانية في الذّال بعد قلبها ذالا ، وقرأ عاصم في رواية حفص
تَذَكَّرُونَ
- بتخفيف الذال - على حذف إحدى التاءين .