تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
واحدة قويّة لا فترة بين هباتها . وقوله :
نَشْراً
قرأه نافع ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، وأبو جعفر : نشرا - بضمّ النّون والشّين - على أنّه جمع نشور - بفتح النّون - كرسول ورسل ، وهو فعول بمعنى فاعل ، والنّشور الرّياح الحيّة الطيّبة لأنّها تنثر السّحاب ، أي تبثّه وتكثره في الجوّ ، كالشّيء المنشور ، ويجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول ، أي منشورة ، أي مبثوثة في الجهات ، متفرّقة فيها ، لأنّ النّشر هو التّفريق في جهات كثيرة . ومعنى ذلك أنّ ريح المطر تكون ليّنة ، تجيء مرّة من الجنوب ومرّة من الشّمال ، وتتفرّق في الجهات حتّى ينشأ بها السّحاب ويتعدّد سحابات مبثوثة ، كما قال الكميت في السّحاب :
مرته الجنوب بأنفاسها * وحلّت عزاليه الشّمأل
ومن أجل ذلك عبّر عنها بصيغة الجمع لتعدّد مهابّها ، ولذلك لم تجمع فيما لا يحمد فيه تعود المهاب كقوله
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[ يونس : 22 ] من حيث جري السّفن إنّما جيّده بريح متّصلة . وقرأه ابن عامر
نَشْراً
- بضم النّون وسكون الشّين - وهو تخفيف نشر - الذي هو بضمّتين - كما يقال : رسل في رسل . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف - بفتح النّون ، وسكون الشّين على أنّه مصدر ، وانتصب إمّا على المفعولية المطلقة لأنّه مرادف ل ( أرسل ) بمعناه المجازي ، أي أرسلها إرسالا أو نشرها نشرا ، وإمّا على الحال من الرّيح ، أي ناشرة أي السّحاب ، أو من الضّمير في ( أرسل ) أي أرسلها ناشرا أي محييا بها الأرض الميّتة ، أي محييا بآثارها وهي الأمطار . وقرأه عاصم بالباء الموحّدة في موضع النّون مضمومة وبسكون الشّين - وبالتّنوين وهو تخفيف ( بشرا ) بضمّهما على أنّه جمع بشير مثل نذر ونذير ، أي مبشّرة للنّاس باقتراب الغيث . فحصل من مجموع هذه القراءات أنّ الرّياح تنشر السّحاب ، وأنّها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنّها تحيي الأرض بعد موتها ، وأنّها تبشّر النّاس بهبوبها ، فيدخل عليهم بها سرور . وأصل معنى قولهم : بين يدي فلان ، أنّه يكون أمامه بقرب منه ( ولذلك قوبل بالخلف في قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
[ البقرة : 255 ] ) فقصد قائله الكناية