تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
والإشارة بقوله :
كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ
إلى تفنّن الاستدلال بالدّلائل الدّالة على عظيم القدرة المقتضية الوحدانيّة ، والدّالة أيضا على وقوع البعث بعد الموت ، والدّالة على اختلاف قابليّة النّاس للهدى والانتفاع به بالاستدلال الواضح البيّن المقرّب في جميع ذلك ، فلذلك تصريف أي تنويع وتفنين للآيات أي الدّلائل . والمراد بالقوم الذين يشكرون : المؤمنون : تنبيها على أنّهم مورد التّمثيل بالبلد الطّيب ، وأنّ غيرهم مورد التّمثيل بالبلد الخبيث ، وهذا كقوله تعالى :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت : 43 ] . [ 59 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 59 ]

لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) استئناف انتقل به الغرض من إقامة الحجّة والمنّة ( المبتدئة بقوله تعالى :
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ
[ الأعراف : 10 ] ، وتنبيه أهل الضّلالة أنّهم غارقون في كيد الشّيطان ، الذي هو عدوّ نوعهم ، من قوله :
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
- إلى قوله :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 16 - 33 ] ، ثمّ بالتّهديد بوصف عذاب الآخرة وأحوال النّاس فيه ، وما تخلّل ذلك من الأمثال والتّعريض ) ؛ إلى غرض الاعتبار والموعظة بما حلّ بالأمم الماضية . فهذا الاستئناف له مزيد اتّصال بقوله في أوائل السّورة [ 4 ] :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
الآية ، وقد أفيض القول فيه في معظم السّورة وتتبع هذا الاعتبار أغراض أخرى : وهي تسلية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وتعليم أمّته بتاريخ الأمم التي قبلها من الأمم المرسل إليهم ، ليعلم المكذّبون من العرب أنّ لا غضاضة على محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ولا على رسالته من تكذيبهم ، ولا يجعله ذلك دون غيره من الرّسل ، بله أن يؤيّد زعمهم أنّه لو كان صادقا في رسالته لأيّده اللّه بعقاب مكذّيبه ( لما قالوا على سبيل التّهكّم أو الحجاج : « اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم » ) . وليعلم أهل الكتاب وغيرهم أنّ ما لقيه محمّد صلى اللّه عليه وسلّم من قومه هو شنشنة أهل الشّقاوة تلقاء دعوة رسل اللّه . وأكّد هذا الخبر بلام القسم وحرف التّحقيق لأنّ الغرض من هذه الأخبار تنظير أحوال الأمم المكذّبة رسلها بحال مشركي العرب في تكذيبهم رسالة محمّد صلى اللّه عليه وسلّم . وكثر في الكلام اقتران جملة جواب القسم : بقد لأنّ القسم يهيئ نفس السّامع