تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
عن الأمام ، وليس صريحا ، حيث إنّ الأمام القريب أوسع من الكون بين اليدين ، ثمّ لشهرة هذه الكناية وأغلبيّة موافقتها للمعنى الصريح جعلت كالصّريح ، وساغ أن تستعمل مجازا في التّقدّم والسّبق القريب ، كقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
[ سبأ : 46 ] ، وفي تقدّم شيء على شيء مع قربه منه من غير أن يكون أمامه ومن غير أن يكون للمتقدّم عليه يدان . وهكذا استعماله في هذه الآية ، أي يرسل الرّياح سابقة رحمته . والرّحمة هذه أريد بها المطر ، فهو من إطلاق المصدر على المفعول ، لأنّ اللّه يرحم به . والقرينة على المراد بقيّة الكلام ، وليست الرّحمة من أسماء المطر في كلام العرب فإنّ ذلك لم يثبت ، وإضافة الرّحمة إلى اسم الجلالة في هذه الآية تبعد دعوى من ادعاها من أسماء المطر . والمقصد الأوّل من قوله :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ
تقريع المشركين وتفنيد إشراكهم ، ويتبعه تذكير المؤمنين وإثارة اعتبارهم ، لأنّ الموصول دلّ على أنّ الصّلة معلومة الانتساب للموصول ، لأنّ المشركين يعلمون أنّ للرّياح مصرّفا وأنّ للمطر منزلا ، غير أنّهم يذهلون أو يتذاهلون عن تعيين ذلك الفاعل ، ولذلك يجيئون في الكلام بأفعال نزول المطر مبنيّة إلى المجهول غالبا ، فيقولون : مطرنا بنوء الثّريا - ويقولون : غثنا ما شئنا . مبنيا للمجهول أي أغثنا ، فأخبر اللّه تعالى بأنّ فاعل تلك الأفعال هو اللّه ، وذلك بإسناد هذا الموصول إلى ضمير الجلالة في قوله :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ
أي الذي علمتم أنّه يرسل الرّياح وينزل الماء ، هو اللّه تعالى كقوله
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
[ البقرة : 16 ] ، فالخبر مسوق لتعيين صاحب هذه الصّلة . فهو بمنزلة الجواب عن استفهام مقصود منه طلب التّعيين في نحو قولهم : أراحل أنت أم ثاو ، ولذلك لم يكن في هذا الإسناد قصر لأنّه لم يقصد به رد اعتقاد ، فإنّهم لم يكونوا يزعمون أنّ غير اللّه يرسل الرّياح ، ولكنّهم كانوا كمن يجهل ذلك من جهة إشراكهم معه غيره ، فروعي في هذا الإسناد حالهم ابتداء ، ويحصل رعي حال المؤمنين تبعا ، لأنّ السّياق مناسب لمخاطبة الفريقين كما تقدّم في الآية السّابقة . و
حَتَّى
ابتدائية وهي غاية لمضمون قوله :
بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
، الذي هو في معنى متقدّمة رحمته ، أي تتقدّمها مدّة وتنشر أسحبتها حتّى إذا أقلّت سحابا أنزلنا به الماء ، فإنزال الماء هو غاية تقدّم الرّياح وسبقها المطر ، وكانت الغاية مجزأة أجزاء فأوّلها مضمون قوله :
أَقَلَّتْ
أي الرّياح السّحاب ، ثمّ مضمون قوله :
ثِقالًا
، ثم مضمون
سُقْناهُ
أي إلى البلد الذي أراد اللّه غيثه ، ثمّ أن ينزل منه الماء . وكلّ ذلك غاية لتقدّم