تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
عظمة ملك اللّه بحال هيئة من الهيئات المتعارفة ، ناسب أن يشتمل على ما هو شعار أعظم المدبّرين للأمور المتعارفة أعني الملوك ، وذلك شعار العرش الذي من حوله تصدر تصرّفات الملك ، فإنّ تدبير اللّه لمخلوقاته بأمر التّكوين يكون صدوره بواسطة الملائكة ، وقد بيّن القرآن عمل بعضهم مثل جبريل عليه السّلام وملك الموت ، وبيّنت السنة بعضها : فذكرت ملك الجبال ، وملك الرّياح ، والملك الذي يباشر تكوين الجنين ، ويكتب رزقه وأجله وعاقبته ، وكذلك أشار القرآن إلى أن من الموجودات العلويّة موجودا منوّها به سمّاه العرش ذكره القرآن في آيات كثيرة . ولمّا ذكر خلق السّماوات والأرض وذكر العرش ذكره بما يشعر بأنّه موجود قبل هذا الخلق . وبيّنت السنّة أنّ العرش أعظم من السماوات وما فيهن ، من ذلك حديث عمران بن حصين أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم قال : « كان اللّه ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثمّ خلق السّماوات والأرض » و حديث أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنّه قال في حديث طويل : « فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنّه أوسط الجنّة ، وأعلى الجنّة وفوقه عرش الرّحمن ومنه تفجّر أنهار الجنّة » وقد قيل إنّ العرش هو الكرسي وأنّه المراد في قوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
كما تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة [ 255 ] . وقد دلّت ( ثمّ ) في قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
على التّراخي الرّتبي أي وأعظم من خلق السّماوات والأرض استواءه على العرش ، تنبيها على أنّ خلق السّماوات والأرض لم يحدث تغييرا في تصرّفات اللّه بزيادة ولا نقصان ، ولذلك ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السّماوات والأرض في آيات كثيرة ، ولعلّ المقصد من ذلك إبطال ما يقوله اليهود : إنّ اللّه استراح في اليوم السّابع فهو كالمقصد من قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
[ ق : 38 ] . وجملة
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
في موضع الحال من اسم الجلالة ، ذكر به شيء من عموم تدبيره تعالى وتصرّفه المضمّن في الاستواء على العرش ، وتنبيه على المقصود من الاستواء ، ولذلك جاء به في صورة الحال لا في صورة الخبر ، كما ذكر بوجه العموم في آية سورة يونس [ 3 ] وسورة الرّعد [ 2 ] بقوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
وخصّ هذا التّصرف بالذّكر لما يدلّ عليه من عظيم المقدرة ، وما فيه من عبرة التّغيّر ودليل الحدوث ، ولكونه متكرّرا حدوثه في مشاهدة النّاس كلّهم . والإغشاء والتّغشية : جعل الشّيء غاشيا ، والغشي والغشيان حقيقته التّغطية والغمّ .