تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
العرش ، وعن أبي العالية : استوى إلى السّماء ارتفع فسوى خلقهن . وأحسب أنّ استعارته تختلف بقرينة الحرف الذي يعدّى به فعله ، فإن عدّي بحرف ( على ) كما في هذه الآية ونظائرها فهو مستعار من معنى الاعتلاء ، مستعمل في اعتلاء مجازي يدلّ على معنى التّمكّن ، فيحتمل أنّه أريد منه التّمثيل ، وهو تمثيل شأن تصرّفه تعالى بتدبير العوالم ، ولذلك نجده بهذا التّركيب في الآيات السّبع واقعا عقب ذكر خلق السّماوات والأرض ، فالمعنى حينئذ : خلقها ثمّ هو يدبّر أمورها تدبير الملك أمور مملكته مستويا على عرشه . وممّا يقرب هذا المعنى قول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم : « يقبض اللّه الأرض ويطوي السّماوات يوم القيامة ثمّ يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض » . ولذلك أيضا عقب هذا التّركيب في مواقعه كلّها بما فيه معنى التّصرف كقوله هنا
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
إلخ ، وقوله في سورة يونس [ 3 ] :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
، وقوله في سورة الرّعد [ 2 ] :
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ
. وقوله في سورة ألم السجدة [ 4 ، 5 ] :
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
. وكمال هذا التّمثيل يقتضي أن يكون كلّ جزء من أجزاء الهيئة الممثّلة مشبها بجزء من أجزاء الهيئة الممثّل بها ، فيقتضي أن يكون ثمة موجود من أجزاء الهيئة الممثّلة مشابها لعرش الملك في العظمة ، وكونه مصدر التّدبير والتّصرف الإلهي يفيض على العوالم قوى تدبيرها . وقد دلّت الآثار الصّحيحة من أقوال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام على وجود هذا المخلوق العظيم المسمّى بالعرش كما سنبيّنه . فأمّا إذا عدّي فعل الاستواء بحرف اللّام فهو مستعار من معنى القصد والتّوجّه إلى معنى تعلّق الإرادة ، كما في قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ *
[ البقرة : 29 ] . وقد نحا صاحب « الكشاف » نحوا من هذا المعنى ، إلّا أنّه سلك به طريقة الكناية عن الملك : يقولون استوى فلان على العرش يريدون ملك . والعرش حقيقته الكرسي المرتفع الذي يجلس عليه الملك ، قال تعالى :
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
[ النماء : 23 ] وقال :
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
[ يوسف : 100 ] ، وهو في هذه الآية ونظائرها مستعمل جزءا من التّشبيه المركّب ، ومن بداعة هذا التّشبيه أن كان كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مماثلا لجزء من أجزاء الهيئة المشبّه بها ، وذلك أكمل التّمثيل في البلاغة العربيّة ، كما قدّمته آنفا . وإذ قد كان هذا التّمثيل مقصودا لتقريب شأن من شؤون