تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
[ الأعراف : 40 ] الآية . والمراد بالكتاب القرآن . والباء في قوله :
بِكِتابٍ
لتعدية فعل
جِئْناهُمْ
، مثل الباء في قوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ البقرة : 17 ] فمعناه : أجأناهم كتابا ، أي جعلناه جاء يا إياهم ، فيؤول إلى معنى أبلغناهم إياه وأرسلناه إليهم . وتأكيد هذا الفعل بلام القسم و ( قد ) إمّا باعتبار صفة ( كتاب ) ، وهي جملة
فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً
فيكون التّأكيد جاريا على مقتضى الظّاهر ، لأنّ المشركين ينكرون أن يكون القرآن موصوفا بتلك الأوصاف ، وإمّا تأكيد لفعل
جِئْناهُمْ بِكِتابٍ
وهو بلوغ الكتاب إليهم فيكون التأكيد خارجا على خلاف مقتضى الظاهر ، بتنزيل المبلّغ إليهم منزلة من ينكر بلوغ الكتاب إليهم ، لأنّهم في إعراضهم عن النّظر والتّدبر في شأنه بمنزلة من لم يبلغه الكتاب ، وقد يناسب هذا الاعتبار ظاهر قوله بعد :
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ
[ الأعراف : 53 ] . وتنكير ( كتاب ) ، وهو معروف ، قصد به تعظيم الكتاب ، أو قصد به النّوعيّة ، أي ما هو إلّا كتاب كالكتب التي أنزلت من قبل ، كما تقدّم في قوله تعالى :
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
في طالع هذه السّورة [ 2 ] . و
فَصَّلْناهُ
أي بيّناه أي بيّنّا ما فيه ، والتّفصيل تقدّم عند قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
في سورة الأنعام [ 55 ] . و
عَلى عِلْمٍ
ظرف مستقر في موضع الحال من فاعل
فَصَّلْناهُ
أي حال كوننا على علم ، و ( على ) للاستعلاء المجازي ، تدلّ على التّمكّن من مجرورها ، كما في قوله :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ *
[ البقرة : 5 ] وقوله :
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
في سورة الأنعام [ 57 ] . ومعنى هذا التّمكن أن علم اللّه تعالى ذاتي لا يعزب عنه شيء من المعلومات . وتنكير
عِلْمٍ
للتّعظيم ، أي عالمين أعظم العلم ، والعظمة هنا راجعة إلى كمال الجنس في حقيقته ، وأعظم العلم هو العلم الذي لا يحتمل الخطأ ولا الخفاء أي عالمين علما ذاتيا لا يتخلّف عنّا ولا يختلف في ذاته ، أي لا يحتمل الخطأ ولا التّردّد . و
هُدىً وَرَحْمَةً
حال من
بِكِتابٍ
. أو من ضميره في قوله :
فَصَّلْناهُ
. ووصف الكتاب بالمصدرين
هُدىً وَرَحْمَةً
إشارة إلى قوّة هديه النّاس وجلب الرّحمة لهم .