تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
الفاء عندهم تفريعا في كلام واحد . والنّسيان في الموضعين مستعمل مجازا في الإهمال والتّرك لأنّه من لوازم النّسيان ، فإنّهم لم يكونوا في الدّنيا ناسين لقاء يوم القيامة ، فقد كانوا يذكرونه ويتحدّثون عنه حديث من لا يصدّق بوقوعه . وتعليق الظّرف بفعل :
نَنْساهُمْ
لإظهار أنّ حرمانهم من الرّحمة كان في أشدّ أوقات احتياجهم إليها . فكان لذكر اليوم أثر في إثارة تحسّرهم وندامتهم ، وذلك عذاب نفساني . ودلّ معنى كاف التّشبيه في قوله :
كَما نَسُوا
على أنّ حرمانهم من رحمة اللّه كان مماثلا لإهمالهم التّصديق باللّقاء ، وهي مماثلة جزاء العمل للعمل ، وهي مماثلة اعتباريّة ، فلذلك يقال : إنّ الكاف في مثله للتّعليل ، كما في قوله تعالى :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
[ البقرة : 198 ] وإنّما التّعليل معنى يتولّد من استعمال الكاف في التّشبيه الاعتباري ، وليس هذا التّشبيه بمجاز ، ولكنّه حقيقة خفيّة لخفاء وجه الشّبه . وقوله :
كَما نَسُوا
ظرف مستقرّ في موضع الصّفة لموصوف محذوف دلّ عليه
نَنْساهُمْ
أي نسيانا كما نسوا . و ( ما ) في :
كَما نَسُوا
وفي
وَما كانُوا
مصدريّة أي كنسيانهم اللّقاء وكجحدهم بآيات اللّه . ومعنى جحد الآيات تقدّم عند قوله تعالى :
وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
في سورة الأنعام [ 33 ] . [ 52 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 52 ]

وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) الواو في
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ
عاطفة هذه الجملة على جملة
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 50 ] ، عطف القصّة على القصّة ، والغرض على الغرض ، فهو كلام أنف انتقل به من غرض الخبر عن حال المشركين في الآخرة إلى غرض وصف أحوالهم في الدّنيا ، المستوجبين بها لما سيلاقونه في الآخرة ، وليس هو من الكلام الذي عقب اللّه به كلام أصحاب الجنّة في قوله :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
[ الأعراف : 51 ] لأنّ قوله هنا
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ
[ الأعراف : 53 ] إلخ ، يقتضي أنّه حديث عن إعراضهم عن القرآن في الدّنيا ، فضمير الغائبين في قوله :
جِئْناهُمْ
عائد إلى الذين كذّبوا في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ