تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
الرّسل ، وإنشاء للحسرة على ذلك ، وإبداء الحيرة فيما ذا يصنعون . ولذلك رتّبوا عليه وفرعوا بالفاء قولهم :
فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ
إلى آخره . والاستفهام يجوز أن يكون حقيقيا يقوله بعضهم لبعض ، لعلّ أحدهم يرشدهم إلى مخلص لهم من تلك الورطة ، وهذا القول يقولونه في ابتداء رؤية ما يهدّدهم قبل أن يوقنوا بانتفاء الشّفعاء المحكي عنهم في قوله تعالى :
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[ الشعراء : 100 ، 101 ] ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في التّمني ، ويجوز أن يكون مستعملا في النّفي . على معنى التّحسّر والتّندم . و
مِنْ
زائدة للتّوكيد . على جميع التّقادير . فتفيد توكيد العموم في المستفهم عنه ، ليفيد أنّهم لا يسألون عمن توهموهم شفعاء من أصنامهم ، إذ قد يئسوا منهم . كما قال تعالى :
وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ
[ الأعراف : 94 ] بل هم يتساءلون عن أي شفيع يشفع لهم . ولو يكون الرّسول عليه الصّلاة والسّلام الذي ناصبوه العداء في الحياة الدّنيا . ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمن [ 11 ]
فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
. وانتصب
فَيَشْفَعُوا
على جواب الاستفهام ، أو التّمنّي ، أو النّفي . « والشفعاء » جمع شفيع وهو الذي يسعى بالشّفاعة ، وهم يسمّون أصنامهم شفعاء قال تعالى :
وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] . وتقدّم معنى الشّفاعة عند قوله تعالى :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ
في سورة البقرة [ 48 ] . وعند قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ
في سورة البقرة [ 254 ] وعند قوله :
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً
في سورة النّساء [ 85 ] . وعطف فعل
نُرَدُّ
ب ( أو ) على مدخول الاستفهام ، فيكون الاستفهام عن أحد الأمرين ، لأنّ أحدهما لا يجتمع مع الآخر ، فإذا حصلت الشّفاعة فلا حاجة إلى الردّ ، وإذا حصل الردّ استغني عن الشّفاعة . وإذ كانت جملة
لَنا مِنْ شُفَعاءَ
واقعة في حيز الاستفهام ، فالتي عطفت عليها تكون واقعة في حيز الاستفهام ، فلذلك تعين رفع الفعل المضارع في القراءات المشهورة ، ورفعه بتجرّده عن عامل النّصب وعامل الجزم ، فوقع موقع الاسم كما قدّره الزمخشري تبعا للفراء ، فهو مرفوع بنفسه من غير احتياج إلى تأويل الجملة التي قبله ، بردّها إلى جملة