تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
. القول في
نادى
وفي
أَنْ
التّفسيريّة كالقول في :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا
[ الأعراف : 44 ] الآية . وأصحاب النّار مراد بهم من كان من مشركي أمّة الدّعوة لأنّهم المقصود كما تقدّم ، وليوافق قوله بعد
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ
[ الأعراف : 52 ] . فعل الفيض حقيقته سيلان الماء وانصبابه بقوّة ويستعمل مجازا في الكثرة ، ومنه ما في الحديث : « ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد » . ويجيء منه مجاز في السّخاء ووفرة العطاء ، ومنه ما في الحديث أنّه قال لطلحة : « أنت الفيّاض » . فالفيض في الآية إذا حمل على حقيقته كان أصحاب النّار طالبين من أصحاب الجنّة أن يصبّوا عليهم ماء ليشربوا منه ، وعلى هذا المعنى حمله المفسّرون ، ولأجل ذلك جعل الزمخشري عطف
مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
عطفا على الجملة لا على المفرد . فيقدّر عامل بعد حرف العطف يناسب ما عدا الماء تقديره : أو أعطونا ، ونظّره بقول الشّاعر ( أنشده الفراء ) :
علفتها تبنا وماء باردا * حتّى شبت همّالة عيناها
تقديره : علفتها وسقيتها ماء باردا ، وعلى هذا الوجه تكون ( من ) بمعنى بعض ، أو صفة لموصوف محذوف تقديره : شيئا من الماء ، لأنّ :
أَفِيضُوا
يتعدّى بنفسه . ويجوز عندي أن يحمل الفيض على المعنى المجازي ، وهو سعة العطاء والسّخاء ، من الماء والرزق ، إذ ليس معنى الصبّ بمناسب بل المقصود الإرسال والتّفضل ، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد وهو أصل العطف . ويكون سؤلهم من الطّعام مماثلا لسؤلهم من الماء في الكثرة ، فيكون في هذا الحمل تعريض بأن أصحاب الجنّة أهل سخاء ، وتكون ( من ) على هذا الوجه بيانية لمعنى الإفاضة ، ويكون فعل
أَفِيضُوا
منزلا منزلة اللّازم ، فتتعلّق من بفعل
أَفِيضُوا
. والرّزق مراد به الطّعام كما في قوله تعالى :
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ
[ البقرة : 25 ] الآية . وضمير
قالُوا
لأصحاب الجنّة ، وهو جوابهم عن سؤال أصحاب النّار ، ولذلك فصل على طريقة المحاورة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 114 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور