تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
فحبست ناقتي عن السير . قال ذو الرمّة :
وقفت على ربع لميّة ناقتي * فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
فحذفوا مفعول ( وقفت ) لكثرة الاستعمال . ويقال : وقفه فوقف ، ولا يقال : أوقفه بالهمزة . وعطف عليه
فَقالُوا
بالفاء المفيدة للتعقيب ، لأنّ ما شاهدوه من الهول قد علموا أنّه جزاء تكذيبهم بإلهام أوقعه اللّه في قلوبهم أو بإخبار ملائكة العذاب ، فعجّلوا فتمنّوا أن يرجعوا . وحرف النداء في قولهم :
يا لَيْتَنا نُرَدُّ
مستعمل في التحسّر ، لأنّ النداء يقتضي بعد المنادى ، فاستعمل في التحسّر لأنّ المتمنّى صار بعيدا عنهم ، أي غير مفيد لهم ، كقوله تعالى :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] . ومعنى
نُرَدُّ
نرجع إلى الدنيا ؛ وعطف عليه
وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
برفع الفعلين بعد ( لا ) النافية في قراءة الجمهور عطفا على
نُرَدُّ
، فيكون من جملة ما تمنّوه ، ولذلك لم ينصب في جواب التمنّي إذ ليس المقصود الجزاء ، ولأنّ اعتبار الجزاء مع الواو غير مشهور ، بخلافه مع الفاء لأنّ الفاء متأصّلة في السببية . والردّ غير مقصود لذاته وإنّما تمنّوه لما يقع معه من الإيمان وترك التكذيب . وإنّما قدّم في الذكر ترك التكذيب على الإيمان لأنّه الأصل في تحصيل المتمنّى على اعتبار الواو للمعية واقعة موقع فاء السببية في جواب التمنّي . وقرأه حمزة والكسائي
وَلا نُكَذِّبَ
- و
نَكُونَ
- بنصب الفعلين - ، على أنّهما منصوبان في جواب التمنّي . وقرأ ابن عامر
وَلا نُكَذِّبَ
- بالرفع - كالجمهور ، على معنى أنّ انتفاء التكذيب حاصل في حين كلامهم ، فليس بمستقبل حتى يكون بتقدير ( أن ) المفيدة للاستقبال . وقرأ
وَنَكُونَ
- بالنصب - على جواب التمنّي ، أي نكون من القوم الذين يعرفون بالمؤمنين . والمعنى لا يختلف . وقوله :
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
إضراب عن قولهم
وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
. والمعنى بل لأنّهم لم يبق لهم مطمع في الخلاص . وبدا الشيء ظهر . ويقال : بدا له الشيء إذا ظهر له عيانا . وهو هنا مجاز في زوال الشكّ في الشيء ، كقول زهير :
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور