تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
لتعدية فعل
تُشْرِكُونَ
، وأن يكون عائدا إلى ( ما ) الموصولة فتكون الباء سببية ، أي الأصنام التي بسببها أشركتم . وقوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
استثناء ممّا قبله وقد جعله ابن عطية استثناء منقطعا بمعنى لكن . وهو ظاهر كلام الطبري ، وهو الأظهر فإنّه لمّا نفى أن يكون يخاف إضرار آلهتهم وكان ذلك قد يتوهّم منه السّامعون أنّه لا يخاف شيئا استدرك عليه بما دلّ عليه الاستثناء المنقطع ، أي لكن أخاف مشيئة ربّي شيئا ممّا أخافه ، فذلك أخافه . وفي هذا الاستدراك زيادة نكاية لقومه إذ كان لا يخاف آلهتهم في حين أنّه يخشى ربّه المستحقّ للخشية إن كان قومه لا يعترفون بربّ غير آلهتهم على أحد الاحتمالين المتقدّمين . وجعل الزمخشري ومتابعوه الاستثناء متّصلا مفرّغا عن مستثنى منه محذوف دلّ عليه الكلام ، فقدّره الزمخشري من أوقات ، أي لا أخاف ما تشركون به أبدا ، لأنّ الفعل المضارع المنفي يتعلّق بالمستقبل على وجه عموم الأزمنة لأنّه كالنّكرة المنفية ، أي إلّا وقت مشيئة ربّي شيئا أخافه من شركائكم ، أي بأن يسلّط ربّي بعضها عليّ فذلك من قدرة ربّي بواسطتها لا من قدرتها عليّ . وجوّز أبو البقاء أن يكون المستثنى منه أحوالا عامّة ، أي إلّا حال مشيئة ربّي شيئا أخافه منها . وجملة :
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
استئناف بياني لأنّه قد يختلج في نفوسهم : كيف يشاء ربّك شيئا تخافه وأنت تزعم أنّك قائم بمرضاته ومؤيد لدينه فما هذا إلّا شكّ في أمرك ، فلذلك فصلت ، أي إنّما لم آمن إرادة اللّه بي ضرّا وإن كنت عبده وناصر دينه لأنّه أعلم بحكمة إلحاق الضرّ . أو النفع بمن يشاء من عباده . وهذا مقام أدب مع اللّه تعالى
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
[ الأعراف : 99 ] . وجملة
أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
معطوفة على جملة
أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ
. وقدّمت همزة الاستفهام على فاء العطف . والاستفهام إنكار لعدم تذكرهم مع وضوح دلائل التذكّر . والمراد التذكّر في صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية ، وفي صفات الإله الحقّ التي دلّت عليها مصنوعاته . [ 81 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 81 ]

وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 185 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور