تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فاعلا هو البادئ بالمحاجّة ، وأنّ بعض العلماء استشكل قوله تعالى في سورة البقرة [ 258 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
حيث قال :
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] . فبدأ بكلام إبراهيم وهو مفعول الفعل وأجاب بأنّ إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجّة . ولم يذكر أئمّة اللّغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة . ويجوز أن يكون المراد هنا أنّهم سلكوا معه طريق الحجّة على صحّة دينهم أو على إبطال معتقده وهو يسمع ، فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجّة . وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلّق به غرض لأنّ الغرض هو الاعتبار بثبات إبراهيم على الحقّ . وحذف متعلّق
حاجَّهُ
لدلالة المقام ، ودلالة ما بعده عليه من قوله :
أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ
الآيات . وقد ذكرت حججهم في مواضع في القرآن ، منها قوله في سورة الأنبياء [ 52 - 56 ]
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ
- إلى قوله -
وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
، وقوله في سورة الشعراء [ 72 ، 73 ]
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
الآيات ، وفي سورة الصافات [ 85 - 98 ]
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
- إلى قوله -
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
وكلّها محاجّة حقيقيّة ، ويدخل في المحاجّة ما ليس بحجّة ولكنّه ممّا يرونه حججا بأن خوّفوه غضب آلهتهم ، كما يدلّ عليه قوله :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
الآية . والتقدير : وحاجّه قومه فقالوا : كيت وكيت . وجملة
قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ
جواب محاجّتهم ، ولذلك فصلت ، على طريقة المحاورات كما قدّمناه في قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
في سورة البقرة [ 30 ] ، فإن كانت المحاجّة على حقيقة المفاعلة فقوله
أَ تُحاجُّونِّي
غلق لباب المجادلة وختم لها ، وإن كانت المحاجّة مستعملة في الاحتجاج فقوله :
أَ تُحاجُّونِّي
جواب لمحاجّتهم ، فيكون كقوله تعالى :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
[ آل عمران : 20 ] . والاستفهام إنكار عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم . و
فِي
للظرفية المجازية متعلّقة ب
تُحاجُّونِّي
ودخولها على اسم الجلالة على تقدير مضاف ، لأنّ المحاجّة لا تكون في الذّوات ، فتعيّن تقدير ما يصلح له المقام وهو صفات اللّه الدّالّة على أنّه واحد ، أي في توحيد اللّه وهذا كقوله تعالى :
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
[ هود : 74 ] أي في استئصالهم .