تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
آمنوا إلخ ، ولأنّه لو كان من قول قومه لما استمرّ بهم الضلال والمكابرة إلى حدّ أن ألقوا إبراهيم في النّار . وحذف متعلّق فعل
آمَنُوا
لظهوره من الكلام السابق . والتقدير : الذين آمنوا باللّه . وحقيقة
يَلْبِسُوا
يخلطوا ، وهو هنا مجاز في العمل بشيئين متشابهين في وقت واحد . شبّه بخلط الأجسام كما في قوله :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
[ البقرة : 42 ] . والظّلم : الاعتداء على حقّ صاحب حقّ ، والمراد به هنا إشراك غير اللّه مع اللّه في اعتقاد الإلهية وفي العبادة ، قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] لأنّه أكبر الاعتداء ، إذ هو اعتداء على المستحقّ المطلق العظيم ، لأنّ من حقّه أن يفرد بالعبادة اعتقادا وعملا وقولا لأنّ ذلك حقّه على مخلوقاته . ففي الحديث « حقّ العباد على اللّه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » . وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك . في الحديث الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود « لمّا نزلت
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
شقّ ذلك على المسلمين وقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس كما تظنّون إنّما هو كما قال لقمان لابنه :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
» [ لقمان : 13 ] ا ه . وذلك أنّ الشرك جمع بين الاعتراف للّه بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبيّة أيضا . ولمّا كان الاعتراف لغيره ظلما كان إيمانهم باللّه مخلوطا بظلم وهو إيمانهم بغيره ، وحمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخلط لهذا المعنى لأنّ الإيمان باللّه وإشراك غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبيّة فهما متماثلان ، وذلك أظهر في وجه الشبه ، لأنّ شأن الأجسام المتماثلة أن يكون اختلاطها أشدّ فإنّ التّشابه أقوى أحوال التّشبيه عند أهل البيان . والمعنى الذين آمنوا باللّه ولم يشركوا به غيره في العبادة . وحمل الزمخشري الظلم على ما يشمل المعاصي ، لأنّ المعصية ظلم للنّفس كما في قوله تعالى :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
[ التوبة : 36 ] تأويلا للآية على أصول الاعتزال لأنّ العاصي غير آمن من الخلود في النّار فهو مساو للكافر في ذلك عندهم ، مع أنّه جعل قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إلى آخره من كلام إبراهيم ، وهو إن كان محكيّا من كلام إبراهيم لا يصحّ تفسير الظلم منه بالمعصية إذ لم يكن إبراهيم حينئذ داعيا إلّا للتّوحيد ولم تكن له بعد شريعة ، وإن كان غير محكي من كلامه فلا يناسب تفسيره فيه بالمعصية ، لأنّ تعقيب كلام إبراهيم به مقصود منه تأييد قوله وتبيينه ، فالحقّ أنّ الآية غير محتاجة للتّأويل
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور