تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالا في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من اللّه تعالى ، فيكون قوله :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نوحي إليه ، ويكون قوله :
رَأى كَوْكَباً
بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل ، ويكون قوله :
قالَ هذا رَبِّي
قولا في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكّر في نفسه ، وهو حديث النفس ، كقول النابغة في كلب صيد :
قالت له النفس إنّي لا أرى طمعا * وإنّ مولاك لم يسلم ولم يصد
وقول العجّاج في ثور وحشي :
ثم انثنى وقال في التفكير * إنّ الحياة اليوم في الكرور
وقوله :
هذا رَبِّي
وقوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
، وقوله :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي . وقوله :
قالَ يا قَوْمِ
هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذ . [ 80 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 80 ]

وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) لمّا أعلن إبراهيم - عليه السلام - معتقده لقومه أخذوا في محاجّته ، فجملة
وَحاجَّهُ
عطف على جملة
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأنعام : 79 ] . وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلّة بالإخبار بمضمونها مع أنّ تفرّع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام . والمحاجّة مفاعلة متصرّفة من الحجّة ، وهي الدّليل المؤيّد للدعوى . ولا يعرف لهذه المفاعلة فعل مجرّد بمعنى استدلّ بحجّة ، وإنّما المعروف فعل حجّ إذا غلب في الحجّة ، فإن كانت احتجاجا من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل ، وإن كانت من جانب واحد باعتبار أنّ محاول الغلب في الحجّة لا بدّ أن يتلقّى من خصمه ما يردّ احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين ، فبذلك الاعتبار أطلق على الاحتجاج محاجّة ، أو المفاعلة فيه للمبالغة . والأولى حملها هنا على الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجّة بينهم وبين إبراهيم . وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره : أنّ صيغة المفاعلة تقتضي أنّ المجعول فيها
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 182 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور