تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
إيّاهم على ضلالهم لأنّه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عمّا دونها بالأحرى . والبريء فعيل بمعنى فاعل من برئ - بكسر الرّاء لا غير - يبرأ - بفتح الرّاء لا غير - بمعنى تفصّى وتنزّه ونفى المخالطة بينه وبين المجرور ب ( من ) . ومنه
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 3 ] ،
فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا
[ الأحزاب : 69 ] ،
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
[ يوسف : 53 ] . فمعنى قوله
بَرِيءٌ
هنا أنّه لا صلة بينه وبين ما يشركون . والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مرادا به الأصنام ، أو هي التلبّس والاتّباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك . والأظهر أنّ ( ما ) في قوله
مِمَّا تُشْرِكُونَ
موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة ، أي ما تشركون به ، كما سيأتي في قوله :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
[ الأنعام : 80 ] لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلّق بالذوات ، ولئلّا يتكرّر مع قوله بعده
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
. ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية ، أي من إشراككم ، أي لا أتقلّده . وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكا لأنّ قومه كانوا يعترفون باللّه ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض ، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه ، ولقوله الآتي
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] . وجملة
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
بمنزلة بدل الاشتمال من جملة
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى اللّه ، وهو إفراده بالعبادة . والوجه في قوله :
وَجْهِيَ
. و
وَجَّهْتُ
مشتقّ من الجهة والوجهة ، أي صرفته إلى جهة ، أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة - بكسر الواو - ، وكأنّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه ، وفعلوه على زنة الفعلة - بكسر الفاء - لأنّ قاصد المكان بوجهه تحصل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديق النظر . فمعنى
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
صرفته وأدرته . وهذا تمثيل : شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد اللّه تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئا وقصده وانصرف عن غيره . وأتي بالموصول في قوله :
لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
ليومئ إلى علّة توجّهه إلى عبادته ، لأنّ الكواكب من موجودات السماء ، والأصنام من موجودات الأرض فهي
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور