تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء ، ويحتمل أنّهم عبدوا الكواكب وعبدوا صورا أخرى على أنّها دون الكواكب كما كان اليونان يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة . على أنّ الصابئة يعتقدون أنّ للكواكب روحانيات تخدمها . وأفل النجم أفولا : غاب ، والأفول خاصّ بغياب النيّرات السماوية ، يقال : أفل النجم وأفلت الشمس ، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب وراء الأفق بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية ، فلا يقال : أفلت الشمس أو أفل النجم إذا احتجب بسحاب . وقوله :
لا أُحِبُّ
الحبّ فيه بمعنى الرضى والإرادة ، أي لا أرضى بالآفل إلها ، أو لا أريد الآفل إلها . وقد علم أنّ متعلّق المحبّة هو إرادته إلها له بقوله :
هذا رَبِّي
. وإطلاق المحبّة على الإرادة شائع في الكلام ، كقوله تعالى :
فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا
[ التوبة : 108 ] . وقدّره في « الكشّاف » بحذف مضاف ، أي لا أحبّ عبادة الآفلين . وجاء ب
الْآفِلِينَ
بصيغة جمع الذكور العقلاء المختصّ بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أنّ الكواكب عاقلة متصرّفة في الأكوان ، ولا يكون الموجود معبودا إلّا وهو عالم . ووجه الاستدلال بالأقوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس ، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمّا أفل النجم كان في حالة أفوله محجوبا عن الاطّلاع على النّاس ، وقد بنى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيبا عن هذا العالم ، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أن يتّخذ إلها لأنّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه . وليس الاستدلال منظورا فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية ، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عرض للأبصار المشاهدة له ، أمّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعا لهم . ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكن الأفول السابق غير مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول : إنّ هذا البازغ كان من قبل آفلا . وقوله :
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً
إلخ عطف على جملة محذوفة دلّ عليها الكلام . والتقدير : فطلع القمر فلما رآه بازغا ، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أنّ القمر طلع بعد أفول الكوكب ، ولعلّه اختار لمحاجّة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 178 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور