تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
للاهتمام . وجملة :
وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
إمّا عطف على جملة
اتَّقُوهُ
عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله :
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ
، أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون ، أو عطف على
قُلْ
فيكون من غير المقول . وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضا على إقامة الصلاة والتقوى . واشتملت جملة
وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
على عدّة مؤكّدات وهي : صيغة الحصر بتعريف الجزأين ، وتقديم معمول
تُحْشَرُونَ
المفيد للتقوّي لأنّ المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين ، والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى اللّه وإنّما أنكروا وقوع الحشر ، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على اللّه تعالى المستلزم وقوعه وأنّه لا يكون إلّا إلى اللّه ، تعريضا بأنّ آلهتهم لا تغني عنهم شيئا . وجملة :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ
عطف على
وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ اللّه هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة . فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 17 ] . والباء من قوله :
بِالْحَقِّ
للملابسة ، والمجرور متعلّق ب
خَلَقَ
أو في موضع الحال من الضمير . والحقّ في الأصل مصدر ( حقّ ) إذا ثبت ، ثم صار اسما للأمر الثابت الذي لا ينكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عدل . والحقّ ضدّ الباطل . فالباطل اسم لضدّ ما يسمّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقا شائعا على الفعل أو القول الذي هو عدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه ، وهو حينئذ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادف الجور والظلم ، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب ، ويرادف الحكمة والحقيقة ، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعب . والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني ، كما في قوله تعالى :
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الدخان : 39 ] بعد قوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
[ الدخان : 38 ] وكقوله :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
[ آل عمران : 191 ] . فاللّه تعالى أخرج
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 166 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور