تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
جملة :
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
مستأنفة استئناف تكرير لما أمر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ، وقد روي أنّهم قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلّم اعبد آلهتنا زمنا ونعبد إلهك زمنا . وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر . وهي
إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
فجيء بتعريف الجزأين ، وضمير الفصل ، وحرف التوكيد ، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات ، لأنّ القصر بمنزلة مؤكّدين إذ ليس القصر إلّا تأكيدا على تأكيد ، وضمير الفصل تأكيد ، و ( إنّ ) تأكيد ، فكانت مقتضى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى . وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند اللّه تعالى ، وهو الدين الموصى به ، وهو هنا الإسلام ، بقرينة قوله
بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ
. وقد وصف الإسلام بأنّه
هُدَى اللَّهِ
في قوله تعالى :
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
في سورة البقرة [ 120 ] ، أي القرآن هو الهدى لا كتبهم . وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام ، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس ، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمّنة اعتقادهم أنّه هدى ، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى ، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل ، بخلاف ما في سورة البقرة . وجملة :
وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ
عطف على المقول . وهذا مقابل قوله
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الأنعام : 56 ] ، وقوله
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
الآية . واللام في
لِنُسْلِمَ
أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد . وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة . وسمّاها بعضهم لام أن - بفتح الهمزة وسكون النون - قال الزجّاج : العرب تقول : أمرتك بأن تفعل وأمرتك أن تفعل وأمرتك لتفعل . فالباء للإلصاق ، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع ( أن ) . وأمّا أمرتك لتفعل ، فاللام للتعليل ، فقد أخبر بالعلّة التي لها وقع الأمر . يعني وأغنت العلّة عن ذكر المعلّل . وقيل : اللام بمعنى الباء ، وقيل : زائدة ، وعلى كلّ تقدير ف ( أن ) مضرة بعدها ، أي لأجل أن نسلم . والمعنى : وأمرنا بالإسلام ، أي أمرنا أن أسلموا . وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
في سورة النساء [ 26 ] .