تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
إليه ويلتزم حذفه . وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى :
مَقامُ إِبْراهِيمَ
في سورة آل عمران [ 97 ] ، فلذلك قال هنا
عالِمُ الْغَيْبِ
فحذف المسند إليه ثم لم يحذف المسند إليه في قوله :
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
. والغيب : ما هو غائب . وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
في سورة البقرة [ 3 ] ، وعند قوله
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ
في هذه السورة [ 59 ] . والشهادة : ضدّ الغيب ، وهي الأمور التي يشاهدها الناس ويتوصّلون إلى علمها يقال : شهد ، بمعنى حضر ، وضدّه غاب ، ولا تخرج الموجودات عن الاتّصاف بهذين الوصفين ، فكأنّه قيل : العالم بأحوال جميع الموجودات . والتعريف في
الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
للاستغراق ، أي عالم كلّ غيب وكلّ شهادة . وقوله :
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
عطف على قوله :
عالِمُ الْغَيْبِ
. وصفة
الْحَكِيمُ
تجمع إتقان الصنع فتدلّ على عظم القدرة مع تعلّق العلم بالمصنوعات . وصفة
الْخَبِيرُ
تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيّها . فكانت الصفتان كالفذلكة لقوله :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
ولقوله
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
. [ 74 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 74 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 74 ) عطف على الجمل السابقة التي أولاها
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ
[ الأنعام : 66 ] المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك ، فعقّبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلن التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجّة الدامغة والمناظرة الساطعة ، ولأنّها أعدل حجّة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه ، وكانت أكبر حجّة على المشركين من العرب بأنّ أباهم لم يكن مشركا ولا مقرّا للشرك في قومه ، وأعظم حجّة للرسول صلى اللّه عليه وسلّم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك . والكلام في افتتاح القصّة ب
إِذْ
بتقدير اذكر تقدّم عند قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
في سورة البقرة [ 30 ] . و
آزَرَ
ظاهر الآية أنّه أبو إبراهيم . ولا شكّ أنّه عرف عند العرب أنّ أبا إبراهيم