تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
والدعاء : القول الدالّ على طلب عمل من المخاطب . والهدى : ضدّ الضلال . أي يدعونه إلى ما فيه هداه . وإيثار لفظ
الْهُدَى
هنا لما فيه من المناسبة للحالة المشبّهة . ففي هذا اللفظ تجريد للتمثيلية كقوله تعالى :
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
في سورة البقرة [ 17 ] . ولذلك كان لتعقيبه بقوله :
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
وقع بديع . وجوّز في « الكشاف » أن يكون الهدى مستعارا للطريق المستقيم . وجملة :
ائْتِنا
بيان ل
يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى
لأنّ الدعاء فيه معنى القول . فصحّ أن يبيّن بما يقولونه إذا دعوه ، ولكونها بيانا فصلت عن التي قبلها ، وإنّما احتاج إلى بيان الدعاء إلى الهدى لتمكين التمثيل من ذهن السامع ، لأنّ المجنون لا يخاطب بصريح المقصد فلا يدعى إلى الهدى بما يفهم منه أنّه ضالّ لأنّ من خلق المجانين العناد والمكابرة ، فلذلك يدعونه بما يفهم منه رغبتهم في صحبته ومحبتهم إيّاه ، فيقولون : ائتنا ، حتّى إذا تمكّنوا منه أوثقوه وعادوا به إلى بيته . وقد شبّهت بهذا التمثيل العجيب حالة من فرض ارتداده إلى ضلالة الشرك بعد هدى الإسلام لدعوة المشركين إيّاه وتركه أصحابه المسلمين الذين يصدّونه عنه ، بحال الذي فسد عقله باستهواء من الشياطين والجنّ ، فتاه في الأرض بعد أن كان عاقلا عارفا بمسالكها ، وترك رفقته العقلاء يدعونه إلى موافقتهم ، وهذا التركيب البديع صالح للتفكيك بأن يشبّه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بها ، بأن يشبه الارتداد بعد الإيمان بذهاب عقل المجنون ، ويشبّه الكفر بالهيام في الأرض ، ويشبّه المشركون الذين دعوهم إلى الارتداد بالشياطين وتشبّه دعوة اللّه الناس للإيمان ونزول الملائكة بوحيه بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى . وعلى هذا التفسير يكون
كَالَّذِي
صادقا على غير معيّن ، فهو بمنزلة المعرّف بلام الجنس . وروي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق حين كان كافرا وكان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ، وقد أسلم في صلح الحديبية وحسن إسلامه . [ 72 ، 73 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 72 إلى 73 ]

وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 72 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 73 )