تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة . كما ورد في خبر سعيد بن زيد وما لقي من عمر بن الخطاب . وقد روي أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق دعا أباه إلى عبادة الأصنام ، وأنّ الآية نزلت في ذلك ، ومعنى ذلك أنّ الآية نزلت مشيرة إلى ذلك وغيره وإلّا فإنّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة . وحاول المشركون صرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدعوة إلى الإسلام وهم يرضونه بما أحبّ كما ورد في خبر أبي طالب . والاستفهام إنكار وتأييس ، وجيء - بنون المتكلّم ومعه غيره - لأنّ الكلام من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن نفسه وعن المسلمين كلّهم . و
مِنْ دُونِ اللَّهِ
متعلّق ب
نَدْعُوا
. والمراد بما لا ينفع ولا يضرّ الأصنام ، فإنّها حجارة مشاهد عدم نفعها وعجزها عن الضرّ ، ولو كانت تستطيع الضرّ لأضرّت بالمسلمين لأنّهم خلعوا عبادتها وسفّهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها ، فلمّا جعلوا عدم النفع ولا الضرّ علّة لنفي عبادة الأصنام فقد كنّوا بذلك عن عبادتهم النافع الضارّ وهو اللّه سبحانه . وقوله :
وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا
عطف على
نَدْعُوا
فهو داخل في حيّز الإنكار . والردّ : الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه ، كقوله تعالى :
رُدُّوها عَلَيَّ
[ ص : 33 ] . والأعقاب جمع عقب وهي مؤخّر القدم . وعقب كلّ شيء طرفه وآخره ويقال : رجع على عقبه وعلى عقبيه ونكص على عقبيه بمعنى رجع إلى المكان الذي جاء منه لأنّه كان جاعلا إيّاه وراءه فرجع . وحرف ( على ) فيه للاستعلاء ، أي رجع على طريق جهة عقبه ، كما يقال : رجع وراءه ، ثم استعمل تمثيلا شائعا في التّلبّس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبها ثم عاد إليها وتلبّس بها ، وذلك أنّ الخارج إلى سفر أو حاجة فإنّما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القدمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيه ؛ فيمثّل حاله بحال من رجع على عقبيه . وفي الحديث : « اللهمّ امض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم » . فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتدّ إلى الشرك بعد أن أسلم بحال من خرج في مهمّ فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له . وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يقال : ونرجع إلى الكفر بعد الإيمان . وقد أضيف ( بعد ) إلى
إِذْ هَدانَا
وكلاهما اسم زمان ، فإنّ ( بعد ) يدلّ على الزمان المتأخّر عن شيء كقوله :
وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ
[ النور : 58 ] و ( إذا ) يدلّ على زمان معرّف بشيء ، ف ( إذا ) اسم زمن متصرّف مراد به الزمان وليس مفعولا فيه . والمعنى بعد الزمن