تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وذكر الحياة هنا له موقع عظيم وهو أنّ همّهم من هذه الدنيا هو الحياة فيها لا ما يتكسب فيها من الخيرات التي تكون بها سعادة الحياة في الآخرة ، أي غرّتهم الحياة الدنيا فأوهمتهم أن لا حياة بعدها وقالوا :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[ الأنعام : 29 ] . والضمير المجرور في
وَذَكِّرْ بِهِ
عائد إلى القرآن لأنّ التذكير هو التذكير باللّه وبالبعث وبالنعيم والعذاب . وذلك إنّما يكون بالقرآن فيعلم السامع أنّ ضمير الغيبة يرجع إلى ما في ذهن المخاطب من المقام ، ويدل عليه قوله تعالى :
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
[ ق : 45 ] . وحذف مفعول
ذَكِّرْ
لدلالة قوله :
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً
أي وذكّرهم به . وقوله :
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ
يجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل
ذَكِّرْ
وهو الأظهر ، أي ذكّرهم به إبسال نفس بما كسبت ، فإنّ التذكير يتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى لأنّ أصل فعله المجرّد يتعدّى إلى مفعول فهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعولين هما « هم » و
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ
. وخصّ هذا المصدر من بين الأحداث المذكّر بها لما فيه من التهويل . ويجوز أن يكون
أَنْ تُبْسَلَ
على تقدير لام الجرّ تعليلا للتذكير ، فهو كالمفعول لأجله فيتعيّن تقدير لا النافية بعد لام التعليل المحذوفة . والتقدير : لئلّا تبسل نفس ، كقوله تعالى :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
، وقد تقدّم في آخر سورة النساء [ 176 ] . وجوّز فيه غير ذلك ولم أكن منه على ثلج . ووقع لفظ ( نفس ) وهو نكرة في سياق الإثبات وقصد به العموم بقرينة مقام الموعظة ، كقوله تعالى :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
[ الانفطار : 5 ] - أي كلّ نفس - علمت نفس ما أحضرت ، أي كلّ نفس . والإبسال : الإسلام إلى العذاب ، وقيل : السجن والارتهان ، وقد ورد في كلامهم بالمعنيين وهما صالحان هنا . وأصله من البسل وهو المنع والحرام . قال ضمرة النهشلي :
بكرت تلومك بعد وهن في النّدى * بسل عليك ملامتي وعتابي
وأمّا الإبسال بمعنى الإسلام فقد جاء فيه قول عوف بن الأحوص الكلابي :
وإبسالي بنيّ بغير جرم * بعوناه ولا بدم مراق
ومعنى :
بِما كَسَبَتْ
بما جنت . فهو كسب الشرّ بقرينة
تُبْسَلَ
.
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 158 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور