تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وتقابل بالخسار وبالغبن ، قال تعالى حكاية عن شعيب
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ
[ الشعراء : 181 ] ولذلك قال هنا :
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
، وهذه التوفية والزيادة يرجعان إلى تقدير يعلمه اللّه تعالى . وقوله :
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
تأييس لهم إذ قد عرف عند العرب وغيرهم ، من أمم ذلك العصر ، الاعتماد عند الضيق على الأولياء والنصراء ليكفّوا عنهم المصائب بالقتال أو الفداء ، قال النابغة : يأملن رحلة نصر وابن سيّار ولذلك كثر في القرآن نفي الوليّ ، والنصير ، والفداء -
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
[ آل عمران : 91 ] . [ 174 ، 175 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 175 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) فذلكة للكلام السابق بما هو جامع للأخذ بالهدى ونبذ الضلال ، بما اشتمل عليه القرآن من دلائل الحقّ وكبح الباطل . فالجملة استئناف وإقبال على خطاب النّاس كلّهم بعد أن كان الخطاب موجّها إلى أهل الكتاب خاصّة . والبرهان : الحجّة ، وقد يخصّص بالحجّة الواضحة الفاصلة ، وهو غالب ما يقصد به في القرآن ، ولهذا سمّى حكماء الإسلام أجلّ أنواع الدليل ، برهانا . والمراد هنا دلائل النبوءة . وأمّا النور المبين فهو القرآن لقوله :
وَأَنْزَلْنا
والقول في
جاءَكُمْ
كالقول في نظيره المتقدّم في قوله :
قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
[ النساء : 170 ] ؛ وكذلك القول في
أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ
. و ( أمّا ) في قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
يجوز أن يكون للتفصيل : تفصيلا لما دلّ عليه
يا أَيُّهَا النَّاسُ
من اختلاف الفرق والنزعات : بين قابل للبرهان والنّور ، ومكابر جاحد ، ويكون معادل هذا الشقّ محذوفا للتهويل ، أي : وأمّا الذين كفروا فلا تسل عنهم ، ويجوز أن يكون ( أمّا ) لمجرد الشرط دون تفصيل ، وهو شرط لعموم الأحوال ، لأنّ ( أمّا ) في الشرط بمعنى ( مهما يكن من شيء ) وفي هذه الحالة لا تفيد التفصيل ولا تطلب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 339 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور