تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
على صفة ، لأنّ ( إنّما ) يليها المقصور ، وهو هنا قصر إضافي ، أي ليس اللّه بثلاثة . وقوله :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
إظهار لغلطهم في أفهامهم ، وفي إطلاقاتهم لفظ الأب والابن كيفما كان محملهما لأنّهما إمّا ضلالة وإمّا إيهامها ، فكلمة ( سبحانه ) تفيد قوة التنزيه للّه تعالى عن أن يكون له ولد ، والدلالة على غلط مثبتيه ، فإنّ الإلهية تنافي الكون أبا واتّخاذ ابن ، لاستحالة الفناء ، والاحتياج ، والانفصال ، والمماثلة للمخلوقات عن اللّه تعالى . والبنوّة تستلزم ثبوت هذه المستحيلات لأنّ النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع ، والناس يتطلّبونها لذلك ، وللإعانة على لوازم الحياة ، وفيها انفصال المولود عن أبيه ، وفيها أنّ الابن مماثلة لأبيه فأبوه مماثل له لا محالة . و ( سبحان ) اسم مصدر سبّح ، وليس مصدرا ، لأنّه لم يسمع له فعل سالم . وجزم ابن جني بأنّه علم على التسبيح ، فهو من أعلام الأجناس ، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة . وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى :
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
في سورة البقرة [ 32 ] . وقوله :
أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
متعلّق ب ( سبحان ) حرف الجرّ ، وهو حرف ( عن ) محذوفا . وجملة
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
تعليل لقوله :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
لأنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قد استغنى عن الولد ، ولأنّ من يزعم أنّه ولد له هو ممّا في السماوات والأرض كالملائكة أو المسيح ، فالكلّ عبيده وليس الابن بعبد . وقوله :
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
تذييل ، والوكيل الحافظ ، والمراد هنا حافظ ما في السماوات والأرض ، أي الموجودات كلّها . وحذف مفعول ( كفى ) للعموم ، أي كفى كلّ أحد ، أي فتوكّلوا عليه ، ولا تتوكّلوا على من تزعمونه ابنا له . وتقدّم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى :
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
في هذه السورة . [ 172 ، 173 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 173 ]

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 )