تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
استئناف واقع موقع تحقيق جملة
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ النساء : 171 ] أو موقع الاستدلال على ما تضمّنته جملة
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
[ النساء : 171 ] . والاستنكاف : التكبّر والامتناع بأنفة ، فهو أشد من الاستكبار ، ونفي استنكاف المسيح : إمّا إخبار عن اعتراف عيسى بأنّه عبد اللّه ، وإمّا احتجاج على النّصارى بما يوجد في أناجيلهم . قال اللّه تعالى حكاية عنه
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ
[ مريم : 30 ] إلخ . وفي نصوص الإنجيل كثير ممّا يدلّ على أنّ المسيح عبد اللّه وأنّ اللّه إلهه وربّه ، كما في مجادلته مع إبليس ، فقد قال له المسيح « للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد » . وعدل عن طريق الإضافة في قوله :
عَبْداً لِلَّهِ
فأظهر الحرف الّذي تقدّر الإضافة عليه : لأنّ التنكير هنا أظهر في العبودية ، أي عبدا من جملة العبيد ، ولو قال : عبد اللّه لأوهمت الإضافة أنّه العبد الخصّيص ، أو أنّ ذلك علم له . وأمّا ما حكى اللّه عن عيسى - عليه السلام - في قوله
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ
[ مريم : 30 ] فلأنّه لم يكن في مقام خطاب من ادّعوا له الإلهية . وعطف الملائكة على المسيح مع أنّه لم يتقدّم ذكر لمزاعم المشركين بأنّ الملائكة بنات اللّه حتّى يتعرّض لردّ ذلك ، إدماج لقصد استقصاء كلّ من ادعيت له بنوة اللّه ، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبدا للّه ، إذ قد تقدّم قبله قوله :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
[ النساء : 171 ] ، وقد قالت العرب : إنّ الملائكة بنات اللّه من نساء الجنّ ، ولأنّه قد تقدّم أيضا قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ النساء : 171 ] ، ومن أفضل ما في السماوات الملائكة ، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبوديّة . وإن جعلت قوله :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
استدلالا على ما تضمّنه قوله :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
[ النساء : 171 ] كان عطف
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
محتملا للتتميم كقوله :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة : 3 ] فلا دلالة فيه على تفضيل الملائكة على المسيح ، ولا على العكس ؛ ومحتملا للترقّي إلى ما هو الأولى بعكس الحكم في أوهام المخاطبين ، وإلى هذا الأخير مال صاحب « الكشّاف » ومثله بقوله تعالى :
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ
[ البقرة : 120 ] وجعل ، الآية دليلا على أنّ الملائكة أفضل من المسيح ، وهو قول المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء ، وزعم أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك ، وهو تضييق لواسع ، فإنّ الكلام محتمل لوجوه ، كما علمت ، فلا ينهض به الاستدلال . واعلم أنّ تفضيل الأنبياء على الملائكة مطلقا هو قول جمهور أهل السنّة ، وتفضيل