تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
يوصي بماله ، فيكون من تأخير البيان إلى وقت الحاجة . والتعبير بصيغة المضارع في مادة السؤال طريقة مشهورة ، نحو :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
[ البقرة : 189 ] ،
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 219 ] . لأنّ شأن السؤال يتكرّر ، فشاع إيراده بصيغة المضارع ، وقد يغلب استعمال بعض صيغ الفعل في بعض المواقع ، ومنه غلبة استعمال المضارع في الدعاء في مقام الإنكار : كقول عائشة « يرحم اللّه أبا عبد الرحمن » ( تعني ابن عمر ) . وقولهم : « يغفر اللّه له » . ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء إذا لم تكرّر لا ؛ نحو « فلا رجع » . على أنّ الكلالة قد تكرّر فيها السؤال قبل نزول الآية وبعدها . وقد قال عمر بن الخطّاب : ما راجعت رسول اللّه في شيء مراجعتي إيّاه في الكلالة ، وما أغلظ لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شيء ما أغلظ لي فيها حتّى طعن في نحري ، وقال : « يكفيك آية الصيف الّتي في آخر سورة النساء » ، وقوله :
فِي الْكَلالَةِ
يتنازعه في التعلّق كلّ من فعل ( يستفتونك ) وفعل ( يفتيكم ) . وقد سمّى النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف ، وعرفت بذلك ، كما عرفت آية الكلالة التي في أوّل السورة بآية الشتاء ، وهذا يدلّنا على أنّ سورة النّساء نزلت في مدّة متفرّقة من الشتاء إلى الصيف وقد تقدّم هذا في افتتاح السورة . وقد روي : أنّ هذه الآية في الكلالة نزلت في طريق حجّة الوداع ، ولا يصحّ ذلك لأن حجّة الوداع كانت في زمن البرد لأنّه لا شكّ أنّ غزوة تبوك وقعت في وقت الحرّ حين طابت الثّمار ، والنّاس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم ، وذلك يقتضي أن تكون غزوة تبوك في نحو شهر أغسطس أو اشتنبر وهو وقت طيب البسر والرطب ، وكانت سنة تسع وكانت في رجب ونزل فيها قوله تعالى :
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
[ التوبة : 81 ] . ثم كانت حجّة أبي بكر في ذي القعدة من تلك السنة ، سنة تسع ، وذلك يوافق دجنبر . وكان حجّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجّة الوداع في ذي الحجّة من سنة عشر فيوافق نحو شهر دجنبر أيضا . وعن عمر بن الخطّاب : أنّه خطب فقال : « ثلاث لو بيّنها رسول اللّه لكان أحبّ إلي من الدنيا وما فيها : الجدّ . والكلالة ، وأبواب الرّبا » . وفي رواية والخلافة . وخطب أيضا فقال : واللّه إنّي ما أدع بعدي شيئا هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة . وقال في مجمع من الصحابة : لأقضينّ في الكلالة قضاء تتحدّث به النّساء في خدورها . وأنّه كتب كتابا في ذلك فمكث يستخير اللّه فيه ، فلمّا طعن دعا بالكتاب فمحاه . وليس تحيّر عمر في أمر الكلالة بتحير في فهم ما ذكره اللّه تعالى في كتابه ولكنّه في اندراج ما لم يذكره القرآن