تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
الأوّل الأب ذو الوجود ، والثاني الابن ذو الكلمة ، أي العلم ، والثالث روح القدس . ثمّ حدثت فيهم فرقة اليعقوبية وفرقة النّسطوريّة « 1 » في مجامع أخرى انعقدت بين الرهبان . فاليعقوبيّة ، ويسمّون الآن ( أرثودكس ) ، ظهروا في أواسط القرن السادس المسيحي ، وهم أسبق من النسطورية ؛ قالوا : انقلبت الإلهية لحما ودما ؛ فصار الإله هو المسيح فلأجل ذلك صدرت عن المسيح خوارق العادات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فأشبه صنعه صنع اللّه تعالى ممّا يعجز عنه غير اللّه تعالى . وكان نصارى الحبشة يعاقبه ، وسنتعرّض لذكرها عند قوله تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ *
في سورة المائدة [ 72 ] ، وعند قوله تعالى :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ *
[ مريم : 37 ] . والنّسطوريّة قالت : اتّحدت الكلمة بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرق الشّمس من كوة من بلّور ، فالمسح إنسان ، وهو كلمة اللّه ، فلذلك هو إنسان إله ، أو هو له ذاتيتان ذات إنسانيّة وأخرى إلهيّة ، وقد أطلق على الرئيس الديني لهذه النّحلة لقب ( جاثليق ) . وكانت النحلة النسطورية غالبة على نصارى العرب . وكان رهبان اليعاقبة ورهبان النسطوريين يتسابقون لبث كلّ فريق نحلته بين قبائل العرب . وكان الأكاسرة حماة للنسطورية . وقياصرة الرّوم حماة لليعقوبية . وقد شاعت النّصرانيّة بنحلتيها في بكر ، وتغلب ، وربيعة ، ولخم ، وجذام ، وتنوخ ، وكلب ، ونجران ، واليمن ، والبحرين . وقد بسطت هذا ليعلم حسن الإيجاز في قوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
وإتيانه على هذه المذاهب كلّها . فللّه هذا الإعجاز العلمي . والقول في نصب ( خيرا ) من قوله :
انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ
كالقول في قوله تعالى :
فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ
[ النساء : 170 ] . والقصر في قوله :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
قصر موصوف
هامش
( 1 ) اليعقوبية منسوبة إلى راهب اسمه يعقوب البرذعاني ، كان راهبا بالقسطنطينية . والنسطورية نسبة إلى نسطور الحكيم ، راهب ظهر في زمن الخليفة المأمون وشرح الأناجيل ، كذا قال الشهرستاني في كتاب « الملل والنحل » ، والظاهر أنّه من اشتباه الأسماء في أخبار هذه النحلة . والذي يقوله مؤرخو الكنيسة أنّ نحلة النسطورية موجودة من أوائل القرن الخامس من التاريخ المسيحي وأنّ مؤسسها هو البطريق نسطوريوس ، بطريق القسطنطينية السوري ، المولود في حدود سنة 380 مسيحية والمتوفّى في برقة في حدود سنة 440 . وهاتان النحلتان تعتبران عند الملكانية مبتدعين .