تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] فأثبت رسالة وتهيئة المرسل لقبولها ومن هنا ثبتت صفة الكلام . فعلمنا بأخبار الشريعة المتواترة أنّ اللّه أراد من البشر الصلاح وأمرهم به ، وأن أمره بذلك بلغ إلى البشر في عصور ، كثيرة وذلك يدلّ على أنّ اللّه يرضى بعض أعمال البشر ولا يرضى بعضها وأنّ ذلك يسمّى كلاما نفسيا ، وهو أزلي .
ثمّ إنّ حقيقة صفة الكلام يحتمل أن تكون من متعلّقات صفة العلم ، أو من متعلّقات صفة الإرادة ، أو صفة مستقلّة متميّزة عن الصفتين الأخريين ؛ فمنهم من يقول : علم حاجة النّاس إلى الإرشاد فأرشدهم ، أو أراد هدي الناس فأرشدهم . ونحن نقول : إنّ الإلهية تقتضي ثبوت صفات الكمال الّتي منها الرضا والكراهيّة والأمر والنهي للبشر أو الملائكة ، فثبتت صفة مستقلّة هي صفة الكلام النفسي ؛ وكلّ ذلك متقارب ، وتفصيله في علم الكلام .
أمّا تكليم اللّه تعالى بعض عباده من الملائكة أو البشر فهو إيجاد ما يعرف منه الملك أو الرسول أنّ اللّه يأمر أو ينهى أو يخبر . فالتكليم تعلّق لصفة الكلام بالمخاطب على جعل الكلام صفة مستقلّة ، أو تعلّق العلم بإيصال المعلوم إلى المخاطب ، أو تعلّق الإرادة بإبلاغ المراد إلى المخاطب . فالأشاعرة قالوا : تكليم اللّه عبده هو أن يخلق للعبد إدراكا من جهة السمع يتحصّل به العلم بكلام اللّه دون حروف ولا أصوات . وقد ورد تمثيله بأنّ موسى سمع مثل الرعد علم منه مدلول الكلام النفسي . قلت : وقد
مثّله النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة « أنّ اللّه تعالى إذا قضى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنّه سلسلة على صفوان فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا : ما ذا قال ربّكم ، قالوا للّذي قال « الحقّ وهو العليّ الكبير »
، فعلى هذا القول لا يلزم أن يكون المسموع للرسول أو الملك حروفا وأصواتا بل هو علم يحصل له من جهة سمعه يتّصل بكلام اللّه ، وهو تعلّق من تعلّقات صفة الكلام النفسي بالمكلّم فيما لا يزال ، فذلك التعلّق حادث لا محالة كتعلّق الإرادة . وقالت المعتزلة : يخلق اللّه حروفا وأصواتا بلغة الرسول فيسمعها الرسول ، فيعلم أنّ ذلك من عند اللّه ، بعلم يجده في نفسه ، يعلم به أنّ ذلك ورد إليه من قبل اللّه ، إلّا أنّه ليس بواسطة الملك ، فهم يفسّرونه بمثل ما نفسّر به نحن نزول القرآن ؛ فإسناد الكلام إلى اللّه مجاز في الإسناد ، على قولهم ، لأنّ اللّه منزّه عن الحروف والأصوات . والكلام حقيقة حروف وأصوات ، وهذه سفسطة في الدليل لأنّه لا يقول أحد بأنّ الحروف والأصوات تتّصف بها الذات العليّة . وهو عندنا وعندهم غير الوحي الذي يقع في قلب الرسول ، وغير التبليغ الذي يكون بواسطة جبريل ، وهو المشار إليه بقوله